نطاق تطبيق القانون من حيث الزمان (مبدأ عدم رجعية القانون)

نطاق تطبيق القانون من حيث الزمان

يثير موضوع نطاق تطبيق القانون من حيث الزمان مشكلة تنازع القانون الجديد مع القانون القديم، فالقواعد التشريعية لا تسري إلا بعد نشرها في الجريدة الرسمية ومضي مدة معينة بعدها تدخل حيز النفاذ والتطبيق، بحيث يطبق كل تشريع على الوقائع والتصرفات التي تتم بعد نفاذه، فمثلاً إذا صدر تشريع ينظم عقد الإيجار فإنه يطبق على كل عقود الإيجار التي يتم إبرامها بعد نفاذه، أما ما تم من عقود إيجار قبل نفاذ هذا التشريع يطبق عليها التشريع القديم تطبيقاً لمبدأ عدم رجعية القانون، أي أن القانون لا يسري بأثر رجعي على الماضي بل يطبق بأثر فوري على الوقائع والتصرفات التي تتم بعده.

ولا تكون الأمور بهذه السهولة، فقد ينشأ مركز قانوني في ظل قانون وقبل أن يحدث آثاره يصدر قانون جديد يتضمن تنظيماً مغايراً لما هو عليه الحال في القانون القديم، ففي هذه الحالة هل تبقى آثار المركز القانوني محكومة بالقانون القديم الذي نشأت في ظله، أم يطبق القانون الجديد على هذه الآثار، ومثال ذلك أن يجعل القانون مدة التقادم خمس عشرة سنة، ويقوم شخص بوضع يده على أرض مدة عشر سنوات ثم يصدر قانون جديد يجعل مدة التقادم عشرين سنة، فهنا هل يبقى القانون القديم مطبقاً بحيث يبقى للحائز خمس سنوات لاكتساب ملكية الأرض بالتقادم، أم يطبق القانون الجديد بحيث يبقى للحائز عشر سنوات لاكتساب ملكية الأرض بالتقادم؟ للإجابة على هذه التساؤلات وجد مبدأ عدم رجعية القانون الجديد والأثر الفوري له وهو ما سنتناوله بالتفصيل:

 مبدأ عدم رجعية القانون الجديد والأثر الفوري له

نصت المادة (7) من القانون المدني الفلسطيني على مبدأ عدم رجعية القانون الجديد والأثر الفوري له بقولها” يعمل بالقانون من تاريخ نفاذه، ولا يسري على ما سبقه من وقائع إلا بنص صريح يقضي بذلك”

ويقصد بمبدأ عدم رجعية القانون والأثر الفوري له، أن القانون لا يسري بأثر رجعي على الوقائع المادية والتصرفات القانونية والآثار المترتبة عليها من تاريخ نفاذه حتى ولو كانت هذه الآثار قد نشأت عن مركز قانوني نشأ في ظل قانون قديم، حيث تبقى الآثار التي ترتبت صحيحة وفقاً للقانون القديم، أما الآثار المتتابعة التي تترتب بعد ذلك في ظل القانون الجديد، فيسري عليها القانون الجديد، فمثلاً إذا اتفق شخصان على سعر فائدة مقداره15% في ظل قانون معين، ثم صدر قانون جديد يجعل الحد الأقصى لسعر الفائدة  10%، فإن ما تم دفعه أو استحقاقه من فوائد في ظل القانون القديم يكون صحيح، أما ما ترتب من فوائد في ظل القانون الجديد فيخفض إلى10%، إلا إذا نص القانون الجديد صراحةً على سريانه على الاتفاقات التي عقدت قبل نفاذه.

 الحكمة من المبدأ

تكمن الحكمة من إقرار مبدأ عدم رجعية القانون في الأمور التالية:

1.    تحقيق العدالة.

إن عدم سريان القانون على الماضي يحقق العدالة، فقد يقوم الأفراد بأفعال مباحة، ثم يصدر قانون يجرم تلك الأفعال، فإذا طبق القانون بأثر رجعي فإن ذلك يعني معاقبتهم على أفعال تمت في الماضي، وهذا يجافي العدالة.

2.    استقرار المعاملات.

فكل المراكز القانونية التي نشأت في ظل قانون، لا يمس بها أي تغيير في القانون، وهذا يؤدي إلى الطمأنينة وعدم القلق، أما إذا طبق القانون بأثر رجعي فإن ذلك يؤدي إلى زوال مراكز قانونية نشأت وهذا يؤدي إلى القلق وعدم استقرار المعاملات.

3.    من حيث المنطق.

إن من شروط نفاذ القانون نشره في الجريدة الرسمية، حتى يعلم به الأفراد ويكيفوا سلوكهم وفق قواعده، فكيف يمكن مسائلة الأفراد بمقتضى قواعد قانونية أصبحت نافذة بعد قيامهم بأفعال أصبحت غير مباحة وفقاً لهذه القواعد.

الاستثناءات الواردة على المبدأ

إن مبدأ عد رجعية القانون لا يطبق دائماً، فهناك حالات يطبق فيها القانون بأثر رجعي وهي:

1.    إذا نص التشريع صراحة على سريانه بأثر رجعي، ففي هذه الحالة يطبق التشريع على الماضي.

2.    القانون الجنائي الأصلح للمتهم.

إذا صدر قانون جديد أصلح للمتهم، فإنه يسري بأثر رجعي ولو لم ينص على ذلك ويكون القانون الجنائي أصلح للمتهم في حالتين هما:

أ‌.  إذا نص القانون على إباحة الفعل الذي كان مجرماً. وفي هذه الحالة يستفيد المتهم من القانون الجديد، حتى لو صدر ضده حكم نهائي يوقف تنفيذه.

ب‌.  إذا نص القانون على تخفيف العقوبة. ويشترط في هذه الحالة، أن لا يكون قد صدر حكم نهائي على المتهم.  

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى