القرائن القانونية وحجيتها في الإثبات المدني

 حجية القرائن في الإثبات, شروط القرينة, حجية القرينة القانونية, القرائن في النظام السعودي, القرائن المعتبرة, القضاء بقرينة التصوير, القرائن الصارفة للأمر عن الوجوب, تعريف البينة عند الفقهاء,

القرائن القانونية وحجيتها في الاثبات المدني

نبذة مختصرة عن القرائن في الإثبات:-

القرائن بوجه عام هي نتائج تستخلص بحكم القانون او تقدير القاضي من واقعة ثابتة ومعروفة للاستدلال علي واقعة غير معروف، فالقرينة تقوم علي الاستنباط الفكري وتؤدي دورا هاما في اثبات الحقوق والمراكز القانونية. 

وتعد القرينة بالمعني المتقدم قرينة قانونية إذا قام المشرع بهذا الاستنباط، اما إذا قام بهذا الاستنباط القاضي فتعد القرينة قضائية، والقرينة بنوعيها هي وسائل اثبات غير مباشرة، حيث لا ينصب الاثبات فيها على واقعة الاصلية مصدر الحق بشكل مباشر وانما ينصب على واقعة أخرى قريبة منها ومتصلة بها فيعتبر اثبات الواقعة الثانية اثباتا للواقعة الأولى عن طريق الاستنتاج. 

ولقد اهتم المشرع بـ القرائن القانونية وأعطاها قوة في الإثبات أكثر من القرائن القضائية، كون أن المشرع بموجب القرينة القانونية وضع استثناء علي الأصل الذي قرره في عبء الاثبات في المادة (2) من قانون البينات الفلسطيني حيث جاء فيها "علي الدائن إثبات الالتزام وعلي المدين اثبات التخلص منه"، ولكن إستثناءً علي هذا الأصل فإن المشرع بموجب القرينة القانونية ينقل عبء الاثبات بين الخصوم، فالقرائن تنقل الإثبات من الواقعة المراد إثباتها إلى واقعة أخرى قريبة منها أو متصلة بها، وأذا ثبتت، اعتبرت دليلاً كاملاً علي صحة الواقعة الأولى. 

كما يعد الإثبات الأداة الضرورية التي يعول عليها القاضي في التحقيق بين الوقائع القانونية وسلطته في تقدير الأدلة، والوسيلة العلمية التي يعتمد عليها الأفراد في صياغة حقوقهم المترتبة علي تلك الوقائع؛ ليصبح القول أن كل نظام قانوني وكل نظام قضائي يقتضي حتماً وجود نظام للإثبات، وهذا النظام سائد سواء في القضايا المدنية والتجارية أو الجزائية، وتقيد الأولى في نظام محدد جداً وإستثناءات قليلة، فنظرية الإثبات من أهم النظريات القانونية وأكثرها تطبيقاً في الحياة العملية، بل والحياة النظرية التي لا تنقطع المحاكم عن تطبيقها كل يوم فيما يعرض لها من تطبيقات. 

وموضوع اليوم هو القرائن تحتل مكانة كبيرة ومهمة في الإثبات، وتشكل إحدى الأعمدة الأساسية لوصول القضاء إلى حكم عادل إذ أن الحصول علي الأدلة التي تنصب مباشرة علي الواقعة محل البحث قد يكون صعباً إن لم يكن مستحيلاً في كثير من الأحيان، فالقاضي لا يستطيع دائماً أن يصل إلى الحقائق بصورة مباشرة فيلجأ إلى تحكيم عقله باستخدام ضوابط الاستدلال وأصول المنطق للتعرف علي أكبر قدر من تلك الحقوق بصورتها المطابقة للحقيقة والواقع. 

 ماهية القرائن القانونية والقضائية

تعد القرائن إحدى وسائل الإثبات غير المباشرة، ولما كانت جميع الإجراءات في الدعوى المدنية هدفها الأساسي، هو إثبات الحقيقة بغية تحقيق العدالة، ولما كان دور القاضي المدني يختلف عن القاضي الجزائي لكونه لا يتمتع بحرية واسعة في قبول جميع الأدلة التي يقدمها أطراف الدعوى، وبناء على ما سبق سوف نتناول ماهية القرائن القانونية تفصيلاً: 
  •  تعريف القرائن:
القرائن لغة هي جمع قرينة، وهي الأمر الدال على الشيء من غير الاستعمال فيه بل بمجرد المقارنة والمصاحبة، أو هي أمر يشير إلى المقصود، وسميت بهذا الاسم لأن بها اتصالاً بما يستدل بها عليها، والقرين هو المصاحب والمقارن والزوج. 

القرائن اصطلاحاً بمعني الأمارة، وهي ما يلزم من العلم به الظن بوجود المدلول كالغيوم إلى المطر فإنه يلزم من العلم به الظن بوجود المطر. 
  • شروط القرينة:
ويشترط في القرينة التي يجوز الاعتماد عليها فيما يلي:
  1. ن يوجد أمر ظاهر ومعروف وثابت ليكون أساسا لاعتماد الاستدلال منه لوجود صفات وعلامات فيه، ولتوفير الامارات عليه، والامارة هي العلامة، واصطلاحا هي التي يلزم من العلم بها الظن بوجود المدلول كالغيم بالنسبة للمطر. فالوقائع المادية والتصرفات البشرية تتكون من امرر ظاهرة ثابتة، وتنطوي على أمور باطنة يستدل عليها بالأمارات المصاحبة لها.
  2. إن توجد الصلة بين الامر الظاهر الثابت والقرينة التي اخذت منه في عملية الاستنباط والاستنتاج، وذلك باستخراج المعاني من النصوص والوقائع بالتأمل والتفكير الناشئ عن الفطنة.
  •  أركان القرائن:
لقد نصت المادة 106 من القانون الفسطيني القرائن بأنها "هي نتائج تستخلص بحكم القانون أو تقدير القاضي من واقعة ثابتة ومعروفة للاستدلال علي واقعة غير معروفة وهي نوعين قرائن قانونية وقرائن قضائية ".

ويتضح من النص أن القرائن تقوم على ركنين وهما الركن المادي والركن المعنوي للقرائن.

أ. الركن المادي
ويتمثل الركن المادي في القرائن من خلال نص المادة إنه بوجود واقعة ثابتة ومعلومة وهي التي يتم الارتكاز عليها من أجل استنباط الواقعة المجهولة وتكون هذه الواقعة الثابتة بنص القانون ثبوتاً تاماً حتى يكون الاستنباط سليم. 

ب. الركن المعنوي.
ويتمثل الركن المعنوي في عملية الاستنباط التي يقوم فيها المشرع أو القاضي الذي يقوم بأخذ الواقعة الثابتة كدليل لاثبات الواقعة المجهولة المراد إثباتها وقرينة على وجودها، مثال علي ذلك "إن سند الدين من قبل الدائن يعتبر قرينة على الوفاء". 

  • أنواع القرائن:
من خلال النص السابق يتضح لنا وجود نوعين من القرائن:
أ. القرائن القانونية. 

وهي التي ينظمها المشرع الفلسطيني ويحددها ويتم النص عليها وفق القانون والقاضي يقوم بتنفيذها أو هي التي يستنبطها المشرع من حالات يغلب وقوعها في العمل، فيقوم المشرع بوضع قاعدة ينص عليها بصيغة عامة مجردة، وتكون هذه القواعد ملزمة للقاضي والخصوم بمجرد ثبوت هذه الواقعة ويلزم القاضي بأخذها قرينة علي ذلك، وتنقسم القرائن القانونية إلى نوعين قرائن قانونية بسيطة وقرائن قانونية قطعية وهي التي لا يجوز إثبات عكسها علي عكس البسيطة التي يجوز اثبات عكسها في الدليل. 

ب. القرائن القضائية.
وهي القرائن التي يستنبطها القاضي بما له من سلطة تقديرية من ظروف ووقائع الدعوى وهي تختلف من واقعة الى أخرى أو من قضية إلى أخرى باختلاف الظروف وملابسات كل قضية، أوهي التي لم ينص عليها القانون ولا يوجد حصر لها وتتنوع وتختلف باختلاف ظروف الوقائع الموجودة أمام القاضي، فالقاضي له سلطة تقديرية في تقدير الوقائع الثابتة التي يتخذها القاضي أساساً في الاستنباط وتعتبر من طرق الاثبات غير المباشرة؛ لأنها تستنبط من قبل القاضي من وقائع ثابتة للاستدلال عليها وعلي واقعة مجهولة. 

 حجية القرائن في الإثبات, شروط القرينة, حجية القرينة القانونية, القرائن في النظام السعودي, القرائن المعتبرة, القضاء بقرينة التصوير, القرائن الصارفة للأمر عن الوجوب, تعريف البينة عند الفقهاء,

التعريف بالقرائن القانونية

هي التي ينص عليها القانون، وتعفي من تقررت لمصلحته عن أي طريقة أخرى من طرق الاثبات، فالمشرع يستنبط من واقعة ثابتة دلالتها علي أمر أخر مجهول يراد إثباته، وينص علي إنه ما دامت الواقعة الأولى قد ثبتت فإن الواقعة الثانية المجهولة تثبت بثبوتها، وكما نصت المادة (107) من قانون البينات الفلسطيني على "القرينة القانونية هي التي ينص عليها القانون وهي تعفي من تقررت لمصلحته من أي طريقة أخرى من طرق الإثبات على أنه يجوز نقض هذه القرينة بالدليل العكسي مالم يوجد نص يقضي بغير ذلك"، كما عرفت المادة (106) القرائن بأنها "هي نتائج تستخلص بحكم القانون أو تقدير القاضي من واقعة ثابتة ومعروفة للاستدلال علي واقعة غير معروفة وهي نوعان قرائن قانونية وقرائن قضائية"، كذلك نصت المادة (98) "أولاً القرينة القانونية هي استنباط المشرع امراً غير ثابت من أمر ثابت. ثانياً القرينة القانونية تغني من تقررت لمصلحته عن أي دليل أخر من أدلة الاثبات" 

كما عرف جانب من الفقه القرينة القانونية بأنها "افتراض قانوني يجعل الأمر المحتمل أو الممكن وقوعه أمراً صحيحاً وفقاً لما هو متعارف عليه ومألوف في الحياة  أو وفقاً لما يرجحه العقل، أيضاً عرفها القانون الأردني في نص المادة (40) بأنها "القرينة التي ينص عليها القانون وتغني من تقررت لمصلحته عن أية طريقة أخرى من طرق الاثبات علي إنه يجوز نقض هذه القرينة بالدليل العكسي مالم يوجد نص يقضي ذلك" 

كما ويعرف المشرع الفرنسي من المادة (1449) من القانون المدني القرائن بأنها "نتائج يستخلصها القانون أو القاضي من واقعة معلومة لمعرفة واقعة مجهولة"  

  •  أهمية الاثبات بالقرائن القانونية

القرائن القانونية تعد من أهم وسائل الإثبات غير المباشرة التي يلجاْ اليها المشرع لأسباب عديدة وبموجبها يقوم بنقل عبء الاثبات وتحويله من الواقعة المباشرة الأصلية مصدر الحق إلى واقعة أخرى قريبة منها وفي حال ثبوتها يفترض المشرع ثبوت الواقعة الاصلية. 

واعتمد المشرع على في اعتباره للقرائن القانونية أنها وسيلة إثبات غير مباشرة في تحقيق مصلحتين مصلحة قضائية وبموجبها يسمح عن طريق القرائن بإقامة الدليل أمام القضاء، ومصلحة أجتماعية مفادها الحفاظ على حقوق الافراد من الضياع، وكما تظهر الأهمية العلمية للقرائن القانونية في الارتباط الوثيق بين القرائن والوقائع التي تكشف عنها، فهي تصادف الحقيقة وتخاطب المنطق والعقل. 

كما تظهر أهمية القرائن القانونية في مجال الأدلة المباشر كالإقرار والشهادة حيث إن قيمة الإقرار والشهادة تتوقف في بعض الأحوال على وجود القرائن. 

كما أن للقرائن أهمية في الاثبات في الوقت الحالي بسبب التقدم العلمي والتكنولوجي، حيث ساهم هذا التقدم في الكشف عن الكثير من القرائن وبالذات العلمية منها والتي اضحت تشكل الوسيلة الاكثر اعتماداً في القضاء في عصرنا الحالي. 

  •  بيان الطبيعة القانونية للقرائن القانونية والأساس الذي تقوم عليها 

أولاً. الطبيعة القانونية للقرينة القانونية.
يتضح لنا من خلال تناول المشرع في قانون البينات الفلسطيني في المادة (107) للقرينة القانونية وبيان دورها ومصدرها وحجيتها في الاثبات بأنه قصد أن يجعل الأصل في القرائن بجميع أنواعها أنها قابلة لاثبات العكس، وجعل الاستثناء جواز نص القانون في بعض الحالات على ان تكون القرينة قاطعة لا تقبل اثبات العكس، وهذا ما عبر عنه المشرع في المادة السابقة بقوله لا يجوز نقض هذه القرينة بالدليل العكسي مالم يوجد نص يقضي بعكس ذلك، وإن المشرع اتخذ هذا الموقف مسايراً بذلك الراي الراجح في الفقه الذي يعتبر القرينة دليل من أدلة الاثبات غير المباشرة التي يتم إعدادها مسبقاً قبل حدوث النزاع وهي دليل قائم علي الافتراض الذي يعتمده المشرع ليجعل من الشى المحتمل أو الممكن حدوثه شيئاً صحيحاً، ومن خلال الترجيح بين ما هو محتمل وبين ما هو أكثر احتمالاً وما هو مؤكد، حيث أنقسم الفقه حول ذلك لأكثر من رأى بين من يعتبر القرائن القانونية وسائل اعفاء من الاثبات ليس الا وليس دليلا من أدلته، فهي تؤثر علي عبء الاثبات فتعفي منه إما اعفاءً كلياً كما هوا الحال في القرائن القانونية القاطعة أو جزئياً في حال القرائن القانونية البسيطة التي تقبل اثبات العكس، وبين من يعتبرها قاعدة اثبات تتميز بالعمومية والتجريد يرتكز عليها المشرع في استنباط وقائع مجهولة من وقائع ثابتة ويُلزم القاضي بالأخذ بالقرينة علي أساس ذلك بمجرد توافر شروطها، وهناك من يرى أنها وسيلة اثبات غير مباشرة يتحول بمقتضاها الاثبات من واقعة مباشرة إلى أخرى غير مباشرة، وهذا الأخير هو الراي الراجح الذي تبناه أغلب الفقه حيث إن للاحتمال درجات تتفاوت بين اليقين مجرد الاحتمال البسيط، كما إن الاثبات في مجمله يقوم علي الترجيح والاحتمال ليس علي الجزم واليقين، وإن اعتبار الأمر المحتمل أياً كانت درجة احتماله شيئاً صحيحاً ومؤكداً لأسباب رأها المشرع ضرورية فإنه في جميع الأحوال يجب أن يجعل من المقصود بالقرينة القانونية أنها وسيلة من وسائل الاثبات يمكن اثبات عكسها حتي لو كانت قاطعة حيث بالإمكان دحضها عن طريق الإقرار واليمين ويجب علي المشرع أن يتوخى الحذر في تقريره للقرائن القانونية خوفاً من مخالفة الحقيقة للواقع وإلا يلجاْ إليها إلا للضرورة القصوى وأن يترك للقاضي استخلاص القرائن حتى يتمشى مع الحقيقة والواقع بقدر المستطاع وبذلك تختلف القرينة القانونية عن القرينة القضائية رغم أن كلاهما يقوم علي الاستنباط بأن القرينة القضائية تعتبر وسيلة اثبات إيجابية بالمعني الفني الدقيق كونها تقوم علي استنباط القاضي للقرينة بالنظر إلى كل حالة علي حده من خلال ظروف ووقائع وملابسات الدعوى بعكس القرينة القانونية التي تتصف بالعمومية والتجريد. 

ثانياً. أساس القرينة القانونية. 
لقيام القرينة بشكل عام سواء كانت قانونية أو قضائية يجب توافر عنصرين الأول مادي ويتمثل في وجود واقعة ثابتة ومعلومة وهي موضع النظر إليها لاستنباط الواقعة المجهولة، وعنصر أخر معنوي يتمثل في عملية الاستنباط ذاتها سواء كانت من قبل المشرع أم من قبل القاضي، أما عن القرينة القانونية بشكل خاص فهي من عمل المشرع وأساسها هو نص القانون، فلا توجد قرينة قانونية بدون نص في القانون، وهذا ما يميز القرينة القانونية عن القرينة القضائية، حيث وضع المشرع النص القانوني وهو بطبيعة الحال يتضمن واقعتين واقعة معلومة يجب اثباتها من قبل من تقررت لمصلحته القرينة وواقعة مجهولة تستنتج من الواقعة الأولى استناداً لفكرة الترجيح والأحتمال، ومثال ذلك قرينة اعسار المدين التي اقامتها نص المادة (253) من القانون المدني والتي تنص على "إذا ادعى الدائن اعسار المدين فعليه أن يثبت مقدار ما في ذمة المدين من ديون وعلي المدين أن يثبت أن له أموالاً تساوي مقدار تلك الديون أو تزيد عليها " 
  • أنواع القرينة القانونية وحجيتها في الاثبات
ويتضح لنا من خلال دراسة موضوع القرائن وفق القانون أن القرائن القانونية تنقسم إلى قسمين قرائن قانونية قاطعة وقرائن قانونية بسيطة، وهذا التقسيم هو من إنشاء المشرع نفسه وفق نص المادة (107) من قانون البينات الفلسطيني، ووفقا لنص المادة يتضح أن القرائن القانونية البسيطة هي الأصل والاستثناء على ذلك القرينة القانونية القاطعة، وبناءً على ذلك سوف نقوم بتوضيح أنواع القرائن وحجيتها في الاثبات من خلال الآتي:
  • القرائن القانونية القاطعة وحجيتها في الاثبات
يرى بعض الفقه أن القرائن القانونية القاطعة طريقة من طرق الاثبات مهما بلغت درجة حجيتها لأنها تدخل ضمن المفهوم العام لوسائل الاثبات، بل وهي في حد ذاتها وسيلة من وسائله كما أن فكرة الدليل علي اعتبار أنه وسيلة الاقناع لدى القاضي بحقيقة الواقعة محل الاثبات تقتضي حتماً أن يباح اثبات عكسه وتبرير ذلك أن فكرة الراجح في الواقع والتي استدعت تقرير القرينة القانونية قد لا تصدق في بعض الحالات مما يستلزم معه منح الخصم إثبات عكسه دلالة علي القرينة. 

ويرى جانب من الفقه، أن فكرة القرينة التي يفرضها القانون لا تتفق مع معني الدليل، لأن فكرة الدليل تقتضي دائماً أن يتاح اثبات عكسه من جانب من يتمسك ضده بهذا الدليل، لذلك يرى هذا الجانب من الفقه أن كل ما يعتبر قرينة قانونية على أنه من أدلة الاثبات يجب أن يكون قابلاً للاثبات العكسي أي بمعني أخر أن كل قرينة قانونية يجب أن تكون بسيطة حتي تكون قابلة لاثبات العكس. 

حجية القرائن القانونية القاطعة في الاثبات

لم يرد في قانون البينات الفلسطيني ما يستفاد منه تحديد الطريقة التي يريدها لعكس القرينة القانونية القاطعة، وأن مل ما ورد في ذلك هو عبارة "مالم يوجد نص قانوني يقتضي بغير ذلك". 

فالقرينة القانونية قوة ملزمة، فإذا نص المشرع على قرينة وتمسك بها ذو الشأن وجب على المحكمة أن تحكم بها، وذكرنا سابقاً ان المشرع نص على القرينة بناءً على الاحتمال الغالب لذلك يوجد احتمال عدم مطابقتها لكل احتمال على حدى. 

ويري جانب من الفقه إلى عدم وجود قرينة قانونية قاطعة فكل قرينة قانونية تقبل اثبات العكس، أما إذا كانت لا تقبل اثبات العكس فلا تكون قرينة وإنما قواعد موضوعية تقوم علي قرينة، فالقرينة أمر متعلق بالإثبات وقصد المشرع من النص عليها لتسهيل الاثبات بالنسبة لمن تقررت لمصلحته ومن ثم يستطيع الطرف الأخر (الخصم) أن يدحضها وذلك بأن يثبت عكس ما ورد بها، أما إذا حرم المشرع الخصم من نقض القرينة فيكون المشرع قد أخرجها من نطاق الاثبات وأدخلها نطاق القواعد الموضوعية حيث تعد قاعدة موضوعية تشتمل علي حكم موضوعي استوحاه المشرع من فكرة القرينة وجعله موضوع النص الذي اوجده. 

ويرى جانب أخر من الفقه بوجود قرينة قانونية قاطعة لا تقبل اثبات العكس، حيث نص المشرع على ذلك بطريقة غير مباشرة، فمثلاً أقام المشرع مسؤولية حارس الحيوانات على قرينة قانونية تفيد خطاْ الحارس وهذا الخطأ لا يقبل اثبات العكس، وهذا ينطبق أيضاً على مسؤولية حارس الأشياء. 

والقرينة القاطعة لا تقبل اثبات العكس فليس معني ذلك أنها لا تدحض ابداً مثل القواعد الموضوعية، بل قد تدحض لأنها من قواعد الاثبات كالأقرار واليمين ويرد علي ذلك إلى ان المشرع أبقاها في نطاق قواعد الاثبات ولم يجعلها من القواعد الموضوعية فمثلاً مسئولية حارس الحيوان أو مسئولية حارس الأشياء تقوم علي قرينة قانونية قاطعة تتمثل في الخطأ المفترض فلا يستطيع المسؤول أن يثبت عكسها ولكن يمكن أن يدحضها بالأقرار الذي يصدر من خصمه أو بيمين يوجهها إلى الخصم فإذا لم يكن ممكن دحضها بالإقرار أو باليمين فلا تكون قرينة قانونية بل تكون قاعدة موضوعية كحجية الأمر المقتضي والتقادم. 

وبرغم من أن القرينة القانونية القاطعة لا تقبل اثبات عكسها إلا أنه يجب الا يؤخذ بهذا القول على إطلاقه، وذلك بالنظر الي المقصود منها فالقرينة القاطعة قد تكون مقررة لمصلحة خاصة أو مصلحة عامة.

- فاذا كانت القرينة القانونية القاطعة مقررة لمصلحة خاصة فيجوز اثبات العكس كما يحصل ذلك في بيع المريض مرض الموت، فإذا أقر الورثة بأن البيع الصادر عن مورثهم بيعاً صحيحاً فإنه ينفذ، وإذا لم يجيزوه فلا ينعقد البيع وهذا ما اخذت به مجلة الاحكام العدلية وكذلك يتحصل بتوجيه اليمين الحاسمة إلى المدين إذا كانت قيمة الدين أقل من النصاب القانوني على أنه لم يكن للدائن في ذمته شيء من الدين فقد أوجب القانون على المدين بهذه الحالة أن يحلف اليمين القانوني على أنه قد أدى الدين فعلاً. 

- أما إذا كانت القرينة القانونية القاطعة متعلقة بمصلحة عامة فإنها لا تقبل اثبات العكس مطلقاً وبأي طريقة كانت سواء عن طريق الإقرار أو بتوجيه اليمين الحاسمة إلى الطرف الأخر لأن هذه القرينة ليست ملكاً للخصوم فهي ملك العموم ولم تشرع إلا لمصحة الكافة حفاظاً على النظام العام لتعلقه به كقرينة الحكم النهائي المقضي به. 
الفرع الثاني 
  • القرائن القانونية البسطة وحجيتها في الاثبات
القرائن القانونية البسيطة هي القرائن التي يجوز نقضها بالدليل العكسي، حيث يحق لأطراف الخصومة إثبات عكس ما افترضه المشرع، والأصل في القرائن القانونية أنها تكون بسيطة إلا إذا نص القانون علي عدم جواز اثبات عكسها.

والقرينة القانونية البسيطة تعمل على إعفاء من تقررت لمصلحته من الاثبات، بمعني تعفيه إعفاءً تاماً ولا تقتصر علي نقل عبء الاثبات إلى خصمه، شأنها في ذلك شان القرينة القانونية القاطعة، ومثال ذلك اعتبار الزوجية قرينة بسيطة علي ثبوت نسب المولود إلى زوج الوالدة فإثبات نسب الطفل إلى الأب أمر عسير حتي من الناحية العلمية إلا أنه طبقاً للغالب أن الزوجة تقتصر علي معاشرة زوجها جنسياً ومن ثم فهي لا تلد إلا منه، وعلي هذا فإن المولود أثناء قيام الزواج يعتبر أنه ابن الزوج دون حاجة إلى إثبات نسبه بل يكفي إثبات العلاقة الزوجية وواقعة الولادة أثنا قيام تلك العلاقة ويستطيع الأب نفي هذه القرينة بإقامة الدليل على أن الأبن المولود من زوجته ليس أبنه بشرط أن يكون هذا الدليل مؤكد كما لو اثبت وجوده خارج البلاد اثناء فترة الحمل. 
  • التمييز بين القرائن القانونية والقواعد الموضوعية
تعتبر كل من القرائن القانونية والقواعد الموضوعة من صنع المشرع وأن القرائن القانونية من قواعد الاثبات تقوم على أساس أنها واقعة يستنبطها المشرع في حين أن القواعد الموضوعية هي قواعد تتعلق بموضوع الحق والدعوى التي تحميه ويتم وضعها في صيغة عامة ومجردة لتنظيم سلوك الافراد في المجتمع كما هو بالنسبة للقرائن مما أدى الي الخلط بين القرائن القانونية والقواعد الموضوعية. 

وتختلف القواعد الموضوعية عن القرائن القانونية من حيث المصلحة المراد تحقيقها في كل منهما، فالمصلحة من القاعدة الموضوعية هي تنظيم المراكز القانونية للأشخاص، أما المصلحة في القرائن القانونية هي إثبات المراكز القانونية التي أقامها المشرع بنص القاعدة القانونية.

 وأخيراً نتمنى لكم الاستفادة الكاملة من موضوع القرائن القانونية وحجيتها في الإثبات المدني وإذا كان لديكم أي استفسار فيمكنكم التواصل معنا من خلال التعليقات، ويمكنكم أيضاً زيارة المدونة من هنا للاطلاع على مزيد من المواضيع.

 شاهد أيضاً:



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق