القائمة الرئيسية

الصفحات

بحث في القانون التجاري بعنوان الالتزام بالسرية في مفاوضات عقود نقل التكنولوجيا (دراسة تحليلية مقارنة)

 تعريف عقد التكنولوجيا, مقدمة عن عقد نقل التكنولوجيا, بحث عن عقد التكنولوجيا, مقارنة بين عقود التكنولوجيا وعقود البيوع التجارية, ما هو عقد التكنولوجيا, الشروط الموضوعية لعقد نقل التكنولوجيا, اركان عقد التكنولوجيا,

السرية في مفاوضات عقود نقل التكنولوجيا
(دراسة تحليلية مقارنة) 

الإهــداء 

إلى من جرع الكأس فارغاً ليسقيني قطرة حب 

إلى من كلّت أنامله ليقدم لي لحظة سعادة 

إلى من حصد الأشواك عن دربي ليمهد لي طريق العلم 

إلى القلب الكبير 

(والـــدي العـــزيز) 

إلى من أرضعتني الحب والحنان 

إلى رمز الحب وبلسم الشفاء 

إلى القلب الناصع بالبياض 

(والـــدتي الحــبيبة) 

إلى من غمرتني بحبها 

إلى رفيقة طريقي 

(أختي الحبيبة) 

إلى وطني الحبيب فلسطين 

إلى شهدائنا الأبرار وأسرانا الأبطال 

المقدمة

  • أولاً: موضوع البحث:-

تعد عقود نقل التكنولوجيا من أكثر العقود شيوعا في الوقت الحاضر، وذلك لازدياد الحاجة لمواكبة التطور، كما أنها تعتبر من العقود المركبة كونها ترد على عمليات مركبة ومعقدة فنياً وقانونياً، وهذه الطبيعة الخاصة تتطلب مرحلة سابقة قبل ابرام العقد تسمى بمرحلة المفاوضات والتي تعتبر من أهم وأخطر المراحل التي تمر بها عقود التجارة الدولية بصفة عامة، وعقود نقل التكنولوجيا بصفة خاصة، ويرجع ذلك إلى عنصر السرية الذي تتمتع به أغلب عناصر التكنولوجيا والمعرفة الفنية محل التفاوض والتعاقد، لذلك قد يحصل تعارض واضح بين مصالح الطرفين المتفاوضين، فالطرف حائز التكنولوجيا حريص كل الحرص على عدم إظهار أي جانب سري للمعرفة، بينما يكون طالب التكنولوجيا راغباَ في الاطلاع على جانب من تفاصيل هذه المعارف السرية لغرض الوقوف على حقيقتها وجدواها الاقتصادية ومدى ملاءمتها لظروفه المالية والبيئية. 

وأمام هذه التعارض في المصالح يقف الالتزام بالحفاظ على السرية في مفاوضات عقود نقل التكنولوجيا الذي يقع على عاتق المتلقي بأن يمتنع هو وأتباعه وخبراءه عن إفشاء أو استخدام أي معلومة تتسم بطابع السرية، حيث يشكل هذا الموضوع أهمية كبيرة على المستوى النظري والعملي بسبب النتائج الخطيرة التي تترتب على هذا الالتزام لا سيما وان عنصر السرية يشكل العمود الفقري للمعارف الفنية والتكنولوجية التي يملكها المانح . 

وأهم التساؤلات التي يثيرها عقد نقل التكنولوجيا والتي تقف في مقدمتها تحديد مفهوم الأسرار التجارية واجبة الحماية، وبيان المقصود بالسرية التي يلتزم المتلقي بالحفاظ عليها، وكذلك تحديد طبيعة هذا الالتزام، هل هو بذل عناية أم تحقيق نتيجة، وما هي ضمانات الوفاء به، وما نطاقه من حيث الموضوع والأشخاص والمدة الزمنية، فضلاً عن الأساس القانوني الذي يستند عليه في إلزام المتلقي بالحفاظ على السرية في مفاوضات عقود نقل التكنولوجيا في حالة عدم وجود نص قانوني وعدم وجود اتفاق صريح بين المتفاوضين على ذلك، وسوف نجيب على كل هذه التساؤلات في هذا البحث. 

  • هيكلية البحث:-

نتناول هذا البحث من خلال تقسيمه إلى ثلاثة مطالب وذلك على النحو الآتي:

المطلب الأول / ماهية الالتزام بالمحافظة على السرية.

الفرع الأول: المقصود بالإسرار التجارية.

الغصن الأول: تعريف الأسرار التجارية.

الغصن الثاني: شروط الحماية القانونية للأسرار التجارية.

الفرع الثاني: تحديد طبيعة الالتزام بالسرية.

الفرع الثالث: ضمانات الوفاء بالالتزام.

الغصن الأول: التعهد الكتابي.

الغصن الثاني: الكفالة المالية.

المطلب الثاني / نطاق الالتزام بالسرية.

الفرع الأول: من حيث الموضوع.

الفرع الثاني: من حيث الأشخاص.

الفرع الثالث: من حيث المدة الزمنية.

المطلب الثالث / الأساس القانوني للالتزام بالسرية.

الفرع الأول: مبدأ حسن النية.

الفرع الثاني: الأساس المستند على العقد الضمني.

الفرع الثالث: الأساس المستند على المسؤولية التقصيرية.

المطلب الأول

ماهية الالتزام بالمحافظة على السرية

يعد عقد نقل التكنولوجيا من العقود المهمة التي تدخل في موازين القوة الاقتصادية للدول النامية، حيث شهدت أغلب هذه الدول تطوراً نوعياً في هذا المجال، وتحاول جاهدة الحصول على هذا النوع من التقنية والمعارف الفنية بغية اللحاق بالدول صاحبة التكنولوجيا، وذلك لتقليص المسافات التي تفصل بينها وبين الدول. 

وقد خصصنا المطلب الأول لمفهوم الالتزام بالحفاظ على السرية، من حيث التعريف بالأسرار التجارية في فرع اول وتحديد طبيعة هذا الالتزام في فرع ثان وبيان ضمانات الوفاء به في فرع ثالث. 

الفرع الأول
التعريف بالأسرار التجارية واجبة الحماية 

لقد وضعت اتفاقية تريبس نظاما يتمتع بذاتية وآليات خاصة، لحماية المعلومات التجارية والصناعية، وأطلق على هذا النظام اسم المعلومات السرية أو غير المفصح وإن تلك المعلومات لم تكن تندرج في الأصل من ضمن حقوق المؤلف أو تلك الحقوق الخاصة بحقوق الملكية الصناعية، كبراءات الاختراع والرسوم والنماذج الصناعية والعلامة التجارية، وإلا لما تقرر لها حماية خاصة، ولكن عدم اعتبارها كذلك هو الذي استدعى إدخالها في عداد الملكية الفكرية وفقا لما قررته نصوص الاتفاقية، وتعتبر الأسرار التجارية فرعاً من فروع الملكية الفكرية في النظام التجاري العالمي، علماً بأن النظم القانونية تختلف في كيفية حماية الأسرار التجارية، وبالتالي تتعدد مستويات الحماية كما تتعدد مسمياتها، إذ تستخدم القوانين المقارنة مسميات متعددة للدلالة على نظام حماية الأسرار التجارية، كما لا يوجد مصطلح متفق عليه في الفقه فكثير ما نجد الفقه يستخدم مصطلح المعرفة الفنية، و الأسرار التجارة، والمعلومات السرية، والمعلومات غير المفصح عنيا، للدلالة على نظام حماية الأسرار التجارية والصناعية وتشكل الأسرار والمعارف والمعلومات التكنولوجية السرية المحل الذي يرد عليه التزام المتلقي بالحفاظ على السرية في مرحلة المفاوضات ولغرض تسليط الضوء على التعريف بهذه الأسرار التجارية، سنقسم هذا الفرع الى غصنين: الأول لتعريف الأسرار التجارية والثاني لشروط حمايتها القانونية كالاتي:- 

الغصن الأول: تعريف الأسرار التجارية

تعتبر السرية بأنها الأساس أو المحرك الذي يدبر شؤون عقد نقل التكنولوجيا والمسؤول عن استمراره، وذلك باعتبارها أحد ركائز المعرفة الفنية لما لها من قيمة اقتصادية لموردها ومنتجها، وهي التي تخوله إمكانية استثمارها واستغلالها واحتكارها دون غيره من الأقران في هذا المجال، والسر حسب ما هو متعارف هو ما لا يجب إذاعته أو نقله لشخص أخر، وعليه فالسر أمراً سلبياً يرتب التزاماً بحفظه. 

والسرية هي شكل من أشكال الملكية الفكرية واجبة الحماية القانونية، أما الأسرار التجارية فهي أية معلومات فنية أو معرفة تقنية أو طريقة أو وسيلة أو أسلوب يتعلق باستعمال تكنولوجيا معينة، أو أي برنامج أو تصميم، على أن تكون غير مباحة للجميع وغير معلومة من قبل الآخرين، ويكون لها قيمة اقتصادية نابعة من منحها لحائزها قيمة تنافسية عالية يمتاز بها عن غيره من المنافسين. 

وقد تعددت تعريفات السر التجاري وذلك لتعدد التشريعات الخاصة بهذا المجال، فقد عرفت المادة (39) الفقرة (2) من اتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية (Trips) عرفت الأسرار التجارية بأنها (المعلومات السرية التي ليست بمجموعها أو في الشكل والتجميع الدقيقين لمكوناتها، معروفة عادةً أو سهلاً من قبل أشخاص أو أوساط المتعاملين المعنيين بهذه المعلومات، فضلاً عن كونها ذات قيمة تجارية و تكون خاضعة لإجراءات معقولة من قبل الشخص الذي يقوم بالرقابة عليها من الناحية القانونية بغية المحافظة على سريتها). 

هذا على المستوى الدولي أما على مستوى القوانين المحلية فنلاحظ أن قانون المنافسة غير المشروعة الأمريكي لسنة ١٩٩٥ عرف الأسرار التجارية في المادة (٣٩) من المدونة الثالثة بأنها (أي معلومات يمكن استخدامها في العملية التجارية وتكون ذات قيمة كافية وان يوفر السر ميزة اقتصادية فعلية أو محتملة لصاحبها في مواجهة غيره). 

وعرف قانون الأسرار التجارية الامريكي الموحد الأسرار التجارية بموجب المادة الرابعة من الفصل الأول بأنها " المعلومات بما تشمله من تركيبات ونماذج وبرامج وآلات وأساليب وتقنيات ووسائل تكون لها قيمة اقتصادية حالية أو ممكنة وذلك طالما لم تكن معروفة الا لدى هؤلاء الاشخاص الذين يحصلون على قيمتها الاقتصادية من خلال عملهم واستخدامهم لها وطالما لم يكن من الممكن للآخرين اكتشافها أو الحصول عليها بوسائل مشروعة وأن تحاط هذه المعلومات بوسائل معقولة طبقاً للظروف من أجل الحفاظ على سريتها

والسرية في مفاوضات عقود نقل التكنولوجيا لها وجهان، الأول: سرية المفاوضات والمناقشات التي تجرى بين الطرفان المتفاوضين، من حيث شروط إبرام الصفقة وغيرها من التفصيلات الأخرى، وجوهر السرية في هذا الصدد هو أنه يجب تزويد طالب التكنولوجيا بالمعلومات الكافية عن حق المعرفة محل التفاوض، حتى يتمكن من تقدير التكنولوجيا وجدوا ما بالنسبة له، أما الوجه الأخر: فيراد به سرية التكنولوجيا والمعرفة الفنية محل العقد، وهو أمر على درجة كبيرة من الأهمية، ذلك أن التكنولوجيا التي يجري على التفاوض بشأنها، قد تكون في شكل معرفة فنية، أو تكون السرية في المنتج أو في الآلة، وبذلك يتبين لنا أن الأسرار التجارية واجبة الحماية لا تقتصر فقط على المعلومات الفنية والتقنية التي يمتلكها مانح التكنولوجيا و إنما تشمل أيضاً على معلومات يكون لها قيمة اقتصادية ومن ثم يمتد مفهوم الأسرار التجارية ليشمل المعلومات المتعلقة بالجوانب التجارية والمالية والإدارية مثل الخطط التسويقية، وقوائم العملاء. 

الغصن الثاني: شروط الحماية القانونية للأسرار التجارية

نستنتج من تعريف الأسرار التجارية أن هناك ثلاثة شروط ينبغي توافرها لكي تحاط هذه الأسرار بالحماية القانونية كالآتي :- 
  • أولاً: الطبيعة السرية

أي ألا تكون المعلومات سواء في مجموعها أو في الشكل والتجميع الدقيق لمكوناتها، معروفة عادة أو متاح الحصول عليها من قبل الأشخاص الذين يتعاملون عادة في مثل تلك المعلومات، ويعد شرط السرية من أهم متطلبات الحماية القانونية للمعلومات الفنية والتكنولوجيا محل الالتزام بالحفاظ على السرية، فالمعلومات المعروفة للعامة أو لطائفة تضم عدداً كبيراً من الأشخاص المتخصصين في مجال التجارة أو الصناعة لا تدخل في طائفة الأسرار التجارية لأنها تكون مباحة أو شبه مباحة للجميع. ولا يشترط في السرية أن تكون مطلقة ، حيث أن المعلومات والمعارف الفنية لا تفقد طابعها السري لمجرد أن عدداً محدوداً من الأشخاص يعرفونها ، فإفصاح صاحب السر التجاري لعدد قليل ومحدود من الأشخاص (مثل العاملين بالمشروع أو المستشارين أو الخبراء والفنيين)، لا يؤدي إلى انحسار صفة السرية عن تلك المعلومات والمعارف طالما يوجد التزام على هؤلاء بكتمان هذه الأسرار وعدم الإفصاح عنها. 

ولا يشترط أن تكون مكونات أو عناصر السر التجاري سرية، فقد تكون تلك المعلومات متاحة للجميع إلا أن طريقة تجميعها هي السرية وغير معروفة من قبل الغير، كما لا بد من أن تكون تلك المعلومة غير مخالفة للنظام العام أو الآداب العامة أو القانون. 
  • ثانياً: أن تكون ذات قيمة اقتصادية
يجب أن تحقق هذه المعلومات التكنولوجية والمعارف الفنية للمشروع التجاري منافع وفوائد بغض النظر عن مقدارها وطبيعتها سواء أكانت مادية كزيادة في الارباح أو تقليل الخسائر أو جذب العملاء والزبائن أم معنوية كجعل حائز هذه الأسرار التجارية في وضع متميز عن غيره من المنافسين، وفي الحقيقة لا يوجد معيار محدد لتقدير القيمة التجارية للمعلومة فيكفي أن تكون لتلك المعلومة فائدة حتى وإن كانت بسيطة، ومن ناحية أخرى لا يشترط أن تكون لتلك المعلومة قيمة اقتصادية حالة إذ من الممكن أن يكون لها قيمة مستقبلاً. 
  • ثالثاً: إتباع حائز المعلومات التكنولوجية أو المعارف الفنية الإجراءات اللازمة للحفاظ على سريتها

لا يكفي أن نكون أمام معلومات سرية لها قيمة تجارية حتى يتم المطالبة بحمايتها بل لابد من أن يتخذ صاحبها جهوداً وتدابير معقولة للمحافظة على سريتها من خلال اتخاذه لوسائل احترازية ووقائية للحيلولة دون تسرب تلك المعلومات الى الغير إذ أن اخلال صاحبها بهذا الالتزام يؤدي إلى حرمانه من الحماية القانونية للأسرار التجارية، وهذا المبدأ طبقه القضاء الأمريكي في قضية Novo .V .INC Glaxo " ltd Pharm "وتتلخص وقائع هذه القضية التي رفعتها شركة (Glaxo) ضد شركة " Novo Pharm ، "كما جاء في عريضة الدعوى أن الشركة الأولى المدعية أدعت قيام الشركة الثانية المدعى عليه بتقليد احد اختراعاتها الدوائية المحمية عن طريق البراءة فضلاً عن قيامها بسرقة أسرارها التجارية الخاصة بخطوات وطريقة تحضير الدواء (Zantac (ومشتقاته ، وفي أطار شكواها الخاصة بسرقة أسرارها التجارية الخاصة بالعناصر والمكونات والخطوات الفنية التي تمر بها عملية تحضير الدواء واستخدامها في إنتاجه ، وقضت المحكمة برفض هذا الادعاء مستندة في ذلك إلى أن شركة (Glaxo) لم تقم باتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على سرية المعلومات الخاصة بصناعة هذا الدواء لأنها قدمت هذه الوثائق الخاصة بهذه الطرق والوسائل في دعوى قضائية سابقة مما أتاح لبقية الشركات القدرة من الاطلاع عليها. 

الفرع الثاني
تحديد طبيعة الالتزام بالسرية

عند الحديث عن الالتزام بالمحافظة على السرية في مفاوضات عقود نقل التكنولوجيا يثار تساؤل حول الطبيعة القانونية لهذا الالتزام ؟ هل هو التزام ببذل عناية أم بتحقيق نتيجة ؟ 

فيما يتعلق بالالتزام بتحقيق نتيجة فهو التزام تنفيذه لا يكون إلا بتحقيق غاية معينة هي محل الالتزام، وقد يكون ذلك من خلال نقل حق عيني، أو الالتزام بعمل معين، أو الالتزام بالامتناع عن عمل معين، فتنفيذها لا يكون إلا بتحقيق الغاية، فإذا لم تتحقق الغاية يبقى الالتزام غير منفذ.

أما بالنسبة للالتزام ببذل عناية فهو بذل العناية في تنفيذ التزام المدين دون أن يكون مطالباً بإدراك النتيجة التي يأمل الدائن الوصول إليها، والعناية المطلوبة هي الوسيلة المؤدية لتحقيق الأمل الذي يسعى إليه الدائن، ولكن المدين لا يطالب إلا ببذل هذه العناية، أما تحقيق النتيجة فهو غير مطلوب منه، والعناية المطلوب بذلها في الالتزام هي عناية الرجل العادي وقد تزيد عن هذا القدر وقد تنقص بحسب الأحوال. 

وللإجابة على هذا التساؤل لا بد لنا من تحديد الهدف الذي يرجو حائز التكنولوجيا إلى تحقيقه، فإذا كان حائز التكنولوجيا يبغي تحقيق هدفاً بعينه كان الالتزام بالحفاظ على السرية التزاما بتحقيق نتيجة، وإن كان لا يهدف لتحقيق ذلك كان التزام بذل عناية. 

نصت المادة 83 من قانون التجارة الحديث الفلسطيني (يلتزم المستورد بالمحافظة على سرية التكنولوجيا التي يحصل عليها وعلى سرية التحسينات التي تدخل عليها، ويسأل عن تعويض الضرر الذي ينشأ عن إفشاء هذه السرية سواء وقع ذلك في مرحلة التفاوض على إبرام العقد أو بعد ذلك). 

يتبين من نص المادة أن المستورد ملزم بالمحافظة على سرية المعلومات التي يتلقاها عن المورد حتى وإن لم يتم النص على ذلك في العقد، ويسأل المستورد عن الأضرار التي تصيب المورد جزاء إخلاله بالتزامه، وعليه فإن المعيار الذي يستند عليه في تحديد طبيعة الالتزام بالسرية يعتمد على مدى اتصال الأداء الذي التزم به طالب التكنولوجيا مع الغاية المرجوة من إنشاء هذا الالتزام، ولما كان التزام المتلقي بالحفاظ على المعلومات والمعارف السرية في مرحلة المفاوضات يعد التزاماً ذو طابع عيني، أي يجب عليه أن ينفذه عيناً وبالتالي لا يطلب منه بذل العناية اللازمة لتحقيق ذلك، وإنما يكون ملزماً بتحقيق نتيجة معينة متمثلة بالحفاظ على سرية المعلومات التي حصل عليها عن طريق المفاوضات، وعليه فإن المتلقي يكون ملزماً دائماً بالحفاظ على سرية المعلومات التي يحصل عليها أو يطلع عليها أثناء المفاوضات سواء أكانت هذه المعلومات سرية بطبيعتها أم بوصف المالك أو الحائز لها بهذه الصفة، ولا يعد المتلقي منفذاً لالتزامه هذا إلا إذا تحققت النتيجة المرجوة منه والمتمثلة بحفاظه على سرية هذه المعلومات والمعارف التي اطلع عليها، وعدم إفشاءها للغير أو استثمارها لتحقيق منافع خاصة قبل أبرام العقد، فإذا افترضنا أن طبيعة هذا الالتزام هي بذل عناية أو انه لا ينشأ إلا إذا وجد نص أو اتفاق يقضي به، فهنا سوف تنتفي الحكمة والهدف من هذا الالتزام لإمكانية افشاء هذه المعلومات ووصولها لعلم الغير على الرغم من ان المتلقي قد بذل العناية المطلوبة للحفاظ على سريتها وتنفيذ هذا الالتزام، أو أنه لم يتقيد بهذا الالتزام لعدم وجود نص أو اتفاق يلزمه بذلك. 

وتجدر الإشارة إلى أن مشروع قانون التجارة الفلسطيني يقرر مسؤولية الطالب في حالة إفشاءه السرية، أيا كانت المرحلة التي تم فيها هذا الإفشاء، سواء وقع ذلك الإفشاء في مرحلة المفاوضة على ابرام العقد او بعد ، حيث جاء في الفقرة الرابعة من المادة "يحافظ على سرية المعرفة الحديثة التي يحصل عليها وعلى سرية التحسينات التي تدخل عليها وألا يتنازل عنها للغير، ويسأل عن تعويض الضرر الذي ينشا عن إفشاء هذه السرية سواء وقع في مرحلة التفاوض على إبرام العقد أو بعد ذلك" 

ونرى أن المشروع الفلسطيني قد وفق حين سوى في المسؤولية بين مرحلة التفاوض ومرحلة التعاقد، ولكنه من وجهة نظرنا لم يوفق بقصره الالتزام بالمحافظة على السرية على عاتق الطالب دون الحائز في مرحلة المفاوضات، على الرغم من انه اعتبره التزاما متقابلا في مرحلة التعاقد، (وفقا لنص الفقرة الرابعة من المادة 84).

وعليه نرى أن الالتزام بالحفاظ على السرية في مفاوضات عقود نقل التكنولوجيا يعد التزاماً بتحقيق نتيجة بطبيعته سيما وانه التزام سلبي مفاده الامتناع عن عمل ، وبالتالي تكون طبيعة ومضمون وهدف هذا الالتزام هو تحقيق غاية لا بذل عناية. 

الفرع الثالث
ضمانات الوفاء بالالتزام

تعد مرحلة المفاوضات مرحلة حساسة وخطيرة بالنسبة لأطراف عقد نقل التكنولوجيا، نظراً للتنافس الشديد الحاصل بين شركات التكنولوجيا وهذا جعل حائز التكنولوجيا أكثر حرصاً على معارفه ومعلوماته ويصبح متشدداً في الحفاظ عليها من الضياع دونما الاستفادة منها ونتيجة لما سبق يسعى حائز التكنولوجيا إلى توفير ضمانات كافية لضمان وفاء المستورد بالتزامه، وسنتحدث في هذا الفرع على هذه الضمانات من خلال تقسيمه إلى غصنين ، الأول للتعهد الكتابي والثاني للكفالة المالية . 

الغصن الأول: التعهد الكتابي

يلعب التعهد الكتابي دوراً هاماً في مرحلة المفاوضات حيث يبث الثقة والاطمئنان في نفوس المتفاوضين ويؤكد مبدأ حسن النية الواجب اتباعه. 

ويعرف التعهد الكتابي بأنه: تعهد يصدر من طالب التكنولوجيا يلتزم بمقتضاه بالمحافظة على سرية المعلومات التي يتوصل إليها أثناء المفاوضات دون إبرام العقد، والامتناع عن استخدام هذه المعلومات مستقبلاً إذا ما انتهت المفاوضات دون إبرام العقد. 

وعادة ما يقوم طالب التكنولوجيا بالتوقيع عليه ضمن الأوراق التي يرسلها للمورد في المراحل التمهيدية للمفاوضات إذ أن امتناع الطالب عن التوقيع يمكن أن يؤدي إلى وئد المفاوضات قبل أن تبدأ، وغالباً لا يتردد طالب التكنولوجيا التوقيع على هذا التعهد ما دام أن لديه رغبة جدية في التعاقد ولأنه يعلم أن رفض التوقيع يعني فشل المفاوضة. 

إلا إن هذا الأمر قد يتعقد إذا استعان المتلقي بخبير لفحص التكنولوجيا محل التعاقد ورفض الخبير أن يوقع التعهد بعدم إفشاءه للسرية، فهنا يكون المتلقي ضامناً لهذا الخبير ، لا سيما وأن الأخير يكون أقدر على اقتناص السر من غيره وذلك لخبرته في مجال التكنولوجيا والمعارف الفنية، ومسالة الاستعانة بالخبراء غالباً ما تثار في مفاوضات عقود نقل التكنولوجيا ولا سيما في الطلبات التي تقدم من قبل الدول النامية لقلة خبراتها ولأنها كثيراً ما تدفع ثمن التكنولوجيا التي ستحصل عليها من قروض حصلت عليها من بنوك دولية ، وهذه البنوك لا تمنح هذه القروض الا بعد الاستعانة برأي الخبير الذي لا يستطيع أن يعطي رأيه إلا بعد الاطلاع على التكنولوجيا والمعارف الفنية محل العقد. 

والواقع ان هذا التعهد يمثل اختباراً موجهاً إلي طالب التكنولوجيا، بمعني أن هذا الأخير يكون بالخيار بين أمرين، إما أن يحرر هذا التعهد فتبدأ المفاوضات وتستمر في جو من الاطمئنان، وإما ألا يوقع فلا تبدأ مراحل المفاوضات المتعاقبة وتنتهي كلية. 

وطبقاً لنصوص اتفاقية (تريبس) والنصوص القانونية في تشريعات الدول المختلفة تقوم المسؤولية المنية عن الإخلال بالالتزام بالسرية في مرحلة المفاوضات، ووفقاً لهذا التوجه فإن المسؤولية تعتبر من ضوابط هذه المرحلة فإذا أخل متلقي الأسرار بهذا الالتزام كان مسؤولاً عن تعويض الأضرار التي تنشأ نتيجة الخطأ الذي ارتكبه.

أما فيما يتعلق بالإخلال في السرية فإنه يجب التفرقة بين أمرين في حال الكشف عن السرية أو استعمال المعلومات دون إبرام العقد، الأول في حالة وجود تعهد كتابي مسبق، والثاني في حالة عدم وجود مثل هذا التعهد. 

ففي الفرض الأول، فإنه يترتب على الكشف عن السرية، ترتيب المسؤولية العقدية لطالب التكنولوجيا، الأمر الذي يعرضه للحكم عليه بالتعويضات وما يتبعها من جزاءات تكميلية منصوص عليها في القانون واجب التطبيق، وتستند المسؤولية العقدية هنا إلى التعهد الكتابي المسبق، لا إلى عقد التكنولوجيا الذي لم يتم إبرامه، أما الفرض الثاني وهو حالة عدم وجود التعهد المسبق فإن طالب التكنولوجيا يسأل مسؤولية تقصيرية، ما لم ينظم الأطراف عملية التفاوض من خلال عقد، وهو ما يراه جانب كبير من الفقه والقضاء في فرنسا من ان المسؤولية في مرحلة المفاوضات لا يمكن إلا أن تكون مسؤولية تقصيرية لأن العقد لم يبرم بعد فالمسؤولية التقصيرية هي الواجبة التطبيق في حال إخلال المتفاوض بواجب المحافظة على سرية المعلومات الفنية.

الغصن الثاني: الكفالة المالية

قد يشترط مالك التكنولوجيا للدخول في المفاوضات أن يقوم المتلقي بإيداع مبلغ معين من المال لحسابه من اجل ضمان التزامه بالحفاظ على سرية المعلومات والمعارف التكنولوجية التي اطلع عليها أثناء عملية التفاوض، كما قد يشترط بدلاً من ذلك أن يقدم خطاب ضمان أو شيك مقبول الدفع وفقاً لما يراه اطراف التفاوض مناسباً لذلك، ويتم اللجوء الى هذه الوسيلة من وسائل الضمان عند حصول التعامل لأول مرة بين طرفي التفاوض ، حيث يحرص المانح على حماية مصالحه المتمثلة بعدم تسرب المعلومات الفنية والمعارف التكنولوجية بدون مقابل. 

وفي هذه الحالة ينبغي أن يحتاط الطالب للأمر، إذ قد تفشل المفاوضات بسبب غير إذاعة السرية ثم يمتنع حائز التكنولوجيا عن رد مبلغ الكفالة أو يساوم فيه متعللًا بسبب أو بآخر، والحيطة الواجبة في هذا المجال ألا يقبل الطالب شرط تقديم الكفالة إلا إذا كان مطمئنا إلى أمانة الحائز وإلى متانة مركزه المالي، كما يجب أن يرفض الشرط إذا كان مبلغ الكفالة مبالغاً فيه، وإذا رضي بالشرط، فيجب أن يشتمل التعهد على تفصيلات بشأن رد مبلغ الكفالة، لا سيما فيما يتعلق بتحديد المدة التي يتعين خلالها رد المبلغ بعد فشل المفاوضات. 

علما أن مبلغ الكفالة لا يعد مقابلاً لاطلاع المتلقي على المعلومات السرية أثناء فترة التفاوض وإنما يشكل ضماناً ووسيلة ضغط على المتلقي لتنفيذ التزامه بالحفاظ على سرية المعلومات والمعارف التي اطلع عليها، ومصير هذه المبالغ هي إما أن تخصم من المقابل الذي سيتم الاتفاق عليه عند إتمام المفاوضات وإبرام العقد، وإما حصول الطرف مورد التكنولوجيا عليه في حالة عدم احترام الالتزام بحفظ السرية بعد إنهاء المفاوضات. وهذا المبلغ ليس نظير إطلاع الطرف الآخر على المعلومات الفنية أثناء فترة المفاوضات وإنما يظل ضماناً لعدم إفشاء السرية. فإذا تم هذا الافشاء من الطرف طالب التكنولوجيا أو أحد أتباعه الذين استعان بهم خلال فترة التفاوض ولم يتم إبرام العقد، استحق المبلغ للطرف الآخر. 

المطلب الثاني

نطاق الالتزام بالسرية

الالتزام بالحفاظ على السرية في مفاوضات عقود نقل التكنولوجيا ليس التزاماً مطلقاً وإنما هو التزام نسبي من حيث الموضوع والاشخاص والمدة ، فمن حيث الموضوع ليس كل المعلومات التكنولوجية والمعارف الفنية والخطط والوثائق والمستندات المطروحة في المفاوضات تمتاز بصفة السرية وإنما البعض منها يمتاز بذلك سواء أكانت بطبيعتها أو بإرادة حائزها. وكذلك من حيث الاشخاص الذين يقع على كاهلهم هذا الالتزام، فلا يقتصر على شخص المتلقي إنما يتوسع ليشمل اعماله وخبراءه واستشاريه الذين استعان بهم لفحص التكنولوجيا محل العقد، فضلاً عما تقدم فإن الالتزام بالحفاظ على السرية في مرحلة المفاوضات لا يكون مؤبداً وإنما يكون محدداً بنطاق زماني محدد وعليه ولغرض بحث نطاق الالتزام بالحفاظ على السرية في مفاوضات عقود نقل التكنولوجيا سنقسم هذا المطلب على ثلاثة فروع، الأول لنطاق الالتزام بالسرية من حيث الموضوع والثاني لنطاق الالتزام بالسرية من حيث الاشخاص والثالث لنطاقه من حيث الزمان. 

الفرع الأول

نطاق الالتزام بالسرية من حيث الموضوع

لاشك بأن السير في مفاوضات عقود نقل التكنولوجيا يستلزم من المانح (حائز التكنولوجيا) من أن يبوح للمتلقي ببعض المعلومات التكنولوجية والمعارف الفنية التي تمتاز بالسرية وذلك إما تنفيذاً للالتزام المانح بالإعلام أو لحث وجذب المتلقي على إبرام العقد، ولما كانت هذه المعلومات والمعارف التكنولوجية السرية تشكل أهمية بالغة بالنسبة لحائزها كان لزاماً على المتلقي الذي أبيحت له هذه الأسرار أن يلتزم بالحفاظ على سريتها ولا يقوم بإفشاءها للغير أو استغلالها بنفسه ولحسابه الخاص دون موافقة حائزها (المانح). 

لذلك يتعين على طرفي العقد تحديد نطاق الالتزام بالسرية من حيث المحل الذي يرد عليه، فيجب تحديد الجزء الذي يتصف بالسرية في حق المعرفة المحظور إفشاء سريته، وإن اتفاقية تريبس قد حددت العناصر التي يتكون منها الأسرار التجارية من السرية والقيمة التجارية واتخاذ اجراءات للمحافظة عليه، وبالتالي فالمعلومات التي يمكن أن تدخل تحت النطاق الموضوعي للالتزام العقدي بالمحافظة على السرية هي التي تتكون من العناصر السالف ذكرها. 

والمقصود بتحديد نطاق الالتزام بالحفاظ على السرية من حيث الموضوع ، هو تحديد الجزء الذي يتصف بالسرية في المعلومات التكنولوجية والمعارف الفنية محل العقد وبالتالي تعريف الطرف المتلقي بها وإلزامه بعدم إفشاء سرية أي عنصر من عناصرها ، عدا بعض الاستثناءات التي تتعلق أساساً بالعناصر المستبعدة عادة من نطاق الحماية القانونية المقررة لها كأن لا تكون لها قيمة اقتصادية أو تكون من الاشياء العامة المباحة للجميع بسبب نشرها أو لأي سبب آخر، أو أنها أصلاً كانت في حيازة المتلقي قبل التفاوض ولم يحصل عليها عن طريق المانح، وهذا الحظر والالتزام بعدم الإفشاء يشمل أيضاً إفشاء أسرار التحسينات اللاحقة التي تتصل بتلك الأجزاء والعناصر السرية، وبصورة عامة فأن الالتزام بالحفاظ على السرية في مفاوضات عقود نقل التكنولوجيا يشتمل على نوعين من المعلومات والمعارف التكنولوجية هي: 
  • أولاً: المعلومات والمعارف التي أسبغ عليها حائزها طابع السرية: وهي المعلومات التي يترتب على نشرها ضرر للغير، وتشمل جميع المعلومات والمعارف التي تم الكشف عنها أو تم توفيرها من قبل أحد الأطراف للطرف الأخر سواء أكانت شفهية أو مكتوبة أو تلك التي تم الاطلاع عليها بالمصادقة ويلتزم المتلقي بالحفاظ على سريتها بذات الدرجة التي يحافظ بها على حقوقه السرية الخاصة. 
  • ثانياً: المعلومات التي تتصف بالسرية بحسب طبيعتها وهي تشمل كل المعلومات التي يكون من شأن ذيوعها وشيوعها أن تسبب ضرراً بصاحب المشروع مالك أو حائز التكنولوجيا محل التعاقد، سواء أكان الضرر مادياً أم معنوياً ويضم هذا النوع من المعلومات على وجه الخصوص المعلومات ذات الطابع الشخصي والمتعلقة بالحياة الخاصة والحق في الخصوصية، فمن حق الفرد أن يحافظ على سرية المعلومات المتولدة عن حريته في اختيار حياته الخاصة، ويدخل في ذلك أيضاً المسائل الصحية مثل الأمراض التي يعانيها المسؤولين عن إدارة المشروع المانح للتكنولوجيا محل التعاقد ونحو ذلك فهذه المسائل لا يجوز الإفصاح عنها إلا بموافقة صاحب الشأن.
غير أن الالتزام بالمحافظة على السرية في مرحلة المفاوضات لا يمنع المتفاوض من استعمال الشيء الذي ينطوي على هذه الأسرار على سبيل التجربة، فإذا كان التفاوض يتعلق بجهاز مبتكر، فإن المشتري من حقه أن يقوم بتشغيل الجهاز وتجربته بهدف الوقوف على مزاياه وعيوبه، ومع ذلك فإنه يجب على المتفاوض صاحب الأسرار ألا يبالغ في الكشف عن اسراره دون مبرر. 

أما فيما يتعلق بالمعلومات السرية التي تكون مخالفة للنظام العام، فهنا يجب على المتلقي الملتزم بسريتها إبلاغ السلطات المختصة بهذا الخصوص نظراً لسلبيتها على النظام العام، مع العلم أن المعلومات السرية قد تكون مخالفة للنظام العام في دولة معينة، وفي ذات الوقت مباحة في دولة أخرى، ويرجع ذلك إلى اختلاف الأنظمة القانونية التي تحكم الدول. 

يتضح من كل ما تقدم أن نطاق الالتزام بالحفاظ على السرية من حيث الموضوع يضم طائفتين من المعلومات، أحداهما تكون سرية نتيجة لإسباغ حائزها هذه الصفة عليها، والتي تتمثل بوجه الخصوص بالمعلومات التكنولوجية والمعارف الفنية والتي تتعلق بشكل مباشر بالتكنولوجيا المراد نقلها أو الاساليب والطرق والوسائل الفنية والادارية الخاصة بإدارة المشروع الحائز لهذه التكنولوجيا وطريقة تسويق منتجاته ونحو ذلك وهذه اهم وأخطر المعلومات التي ينبغي على حائز التكنولوجيا أن يعمل على الحفاظ على سريتها لأنها تشكل القلب النابض والعمود الفقري الذي يستند عليه مشروعه التجاري فأن شاعت وانتشرت أصبح مشروعه بلا جدوى وضاعت عليه فرصة التفوق على منافسيه. أما الطائفة الثانية فتتمثل بالمعلومات التي تتصف بالسرية بطبيعتها وتتمثل بوجه الخصوص بالمعلومات الشخصية المتعلقة بالحياة الخاصة وهذه المعلومات يجب أن تحاط بالسرية ويلتزم المتلقي بعدم إفشاءها لاعتبارات شخصية خاصة لا لاعتبارات تجارية واقتصادية وتنافسية. 

الفرع الثاني

نطاق الالتزام بالسرية من حيث الأشخاص

تمتاز مفاوضات عقود نقل التكنولوجيا بصورة عامة والعقود التي ترد على تقنيات ومعارف حديثة بصورة خاصة، بتدخل عدد من الاشخاص من الممكن أن تصل إليهم المعلومات السرية وبالتالي يمكن من خلالهم ان يتم إفشاءها لذلك فأن الالتزام بالحفاظ على سرية هذه المعلومات يجب أن لا يقتصر على المفاوض المباشر وإنما يعني أن يمتد إلى أشخاص آخرين تدخلوا في هذه المفاوضات بشكل أو بآخر، وعليه فإن الالتزام بالحفاظ على السرية في المفاوضات العقدية لا يقتصر على متلقي المعلومة وإنما يمتد ليشمل مساعديه والأشخاص التابعين له كالعمال والفنيين والخبراء والمستشارين، فضلاً عن الأشخاص الذين يرتبط معهم بعقد عمل كالأشخاص الذين قام باختيارهم لمساعدته وإبداء المشورة له في عملية التفاوض، ويقع التزام هؤلاء المستخدمين بحظ السرية بالأساس على عاتق صاحب العمل الذي يستخدمهم. 

ويلاحظ أيضاً أن الالتزام بالسرية في مرحلة المفاوضات يمتد من حيث الأشخاص ليشمل معاهد البحوث المعترف بها والتي تم الاستعانة بخبرتها في عملية التفاوض أو أشرفت على سير هذه المفاوضات وكذلك المقاولين من الباطن والمرخص لهم من الباطن من قبل المتلقي أي كل من كانت له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالأخير وكانت هذه العلاقة تخص العقد المتفاوض بشأنه أو بمناسبته، وكذلك يمتد ليشمل الأشخاص الذين يعدون من فروع المتلقي وشركاته الوليدة وكما في الشركات متعددة الجنسية التي يتوجب عليها الحفاظ على السرية في علاقاتها مع فروعه وشركاته الوليدة . 

والأشخاص الذين يقع على عاتقهم الالتزام بالحفاظ على السرية في مرحلة المفاوضات لا يقتصر حدود التزامهم بعدم إفشاء هذه المعلومات للغير، وإنما يمتد هذا الالتزام ليشمل عدم استخدام هذه المعلومات لغير الغرض الذي أبيحت من أجله ، والمتمثل باطلاع المتلقي على مضمون التكنولوجيا التي يجري التفاوض على نقلها أو الترخيص باستعمالها، نظراً لأن هذه المعلومات لم تقدم إلا لغرض التفاوض فقط، ومن ثم فأن أي استخدام أو استعمال لها يجاوز هذا الغرض يعد استخداماً غير مشروع . 

الفرع الثالث

الالتزام بالسرية من حيث المدة

تبرز أهمية موضوع نطاق الالتزام بالحفاظ على سرية المعلومات والمعارف التكنولوجية عند فشل المفاوضات أو إنهاءها قبل الوصول الى اتفاق نهائي بشأن إبرام العقد وبغض النظر عن معرفة وتحديد الطرف الذي تسبب بإنهاء المفاوضات وفشلها ، فهنا يثار التساؤل عن الفترة الزمنية التي يبقى المتلقي الذي حصل على المعلومات والمعارف السرية ملتزماً بالحفاظ على سريتها ؟ 

يعتبر عقد نقل التكنولوجيا من عقود المدة فتنص المادة(86) من قانون التجارة الفلسطيني الحديث أنه "يجوز لكل من طرفي عقد نقل التكنولوجيا بعد انقضاء مدة خمس سنوات من تاريخ العقد، أن يطلب انهاءه أو إعادة النظر في شروطه بتعديلها بما يلائم الظروف الاقتصادية العامة، ويجوز تكرار تقديم هذا الطلب كلما انقضت مدة خمس سنوات ما لم يتفق على مدة أخرى". 

يتبين من نص المادة 86 أن عنصر الزمن يلعب دوراً هاماً في عقود نقل التكنولوجيا وهذا ما يجعله عقداً زمنياً، حيث يعتبر من قبيل القواعد المكملة وليست الأمرة، لأن المشرع أعطى الحرية للأطراف بإنهاء العقد أو إعادة النظر في شروطه، وذلك بما يتلاءم مع الظروف الاقتصادية المستجدة، بغض النظر عن مدة العقد. 

وبعد انتهاء الحد الأقصى بمرور خمس سنوات من تاريخ تحرير عقد نقل التكنولوجيا يجوز لكل من المورد والمستورد أن يطلب انهاءه أو إعادة النظر في شروطه بتعديلها بما يتوافق مع الظروف الاقتصادية العامة القائمة ولأي منهما تكرار هذا الطلب كلما انقضت مدة خمس سنوات وهذه هي القاعدة العامة، ولكن يجوز لطرفي عقد نقل التكنولوجيا أن يتفقا على مدة أخرى تخالف الخمس سنوات الواردة في النص أعلاه وآيا كانت المدة المتفق عليها بين أطراف العقد، فالطلب يكون بإنهاء العقد إذا وجد أي طرف أن الاستمرار في تنفيذ العقد ضاراً به وله أن يطلب إعادة النظر في الشروط الواردة بالعقد وتعديل هذه الشروط بما يتماشى مع الظروف الاقتصادية العامة. 

المطلب الثالث

الأساس القانوني للالتزام بالسرية

للحديث عن الأساس القانوني للالتزام بالمحافظة على السرية في مفاوضات عقود نقل التكنولوجيا لابد لنا من التمييز بين حالتين، الأولى وجود اتفاق بين الاطراف المتفاوضة على هذا الالتزام، فهنا يكون هذا الاتفاق هو الاساس القانوني لالتزام المتلقي بالمحافظة على سرية المعلومات والمعارف التكنولوجية التي أطلع عليها سواء أنجحت المفاوضات أم فشلت، وهنا لا تثار أي مشكلة أو تساؤل في هذا الصدد، ولكن التساؤل المطروح في حالة عدم وجود مثل هكذا أتفاق، فهل يكون المتلقي ملتزماً بالحفاظ على سرية المعلومات التي اطلع عليها ؟ وأن كان هذا الالتزام موجوداً فما هو أساسه القانوني؟ أي ما المسوغ القانوني الذي دفعه للتقيد بهذا الالتزام؟ 

في الواقع لم يتفق الفقه القانوني على رأي موحد وثابت وإنما ذهب الى ثلاثة آراء الأول ذهب بالاستناد الى ان مبدأ حسن النية والثقة في التعامل هو الأساس القانوني، اما الثاني فقد استند الى نظرية العقد الضمني المفترض بين الأطراف المتفاوضة ، أما الثالث فذهب الى أن هذا الالتزام يجد أساسه بموجب نصوص المسؤولية التقصيرية ، حيث يجرم القانون إفشاء الأسرار بصورة عامة والأسرار التجارية بصورة خاصة، وعليه سنقسم المبحث على ثلاثة فروع نتناول كل رأي من هذه الآراء في فرع مستقل. 

الفرع الأول

مبدأ حسن النية

ذهب جانب من الفقه الى أن الالتزام بالحفاظ على السرية في مفاوضات عقود نقل التكنولوجيا يجد أساسه في مبدأ حسن النية والثقة في التعامل، حيث يوجب هذا المبدأ على الأطراف المتفاوضة ان يلتزم كل طرف باحترام ما يقدمه الطرف الآخر من مبتكرات ومعارف فنية وتكنولوجية وأسرار تجارية وعدم إفشاءها وكذلك عدم استخدامها في أغراض لا تتصل والغرض الذي أبيحت وعرضت من أجله سواء أكانت هذه الأغراض لحسابه الخاص أو لحساب غيره. 

ويعرف مبدأ حسن النية بأنه: الاستقامة والنزاهة وانتفاء الغش والإخلاص في تنفيذ ما التزم به الشخص ولذلك فإن من أهم مصاديق حسن النية هو الابتعاد عن كل أمر يكون من شأنه التأثير سلباً في ابرام أو تنفيذ عقد من العقود سواء بفعل إيجابي أو سلبي. 

إن الالتزام بالسرية من أهم ما يقتضيه حسن النية في التفاوض، إذ أن السير الأمثل للمفاوضات يتطلب من أحد الطرفين، أو كلاهما، أن يبوح إلى الآخر ببعض الأسرار الهامة، وذلك لتنفيذ التزامه بإعلام الطرف الأخر. 

وتبدو أهمية التأكيد على هذا الالتزام في مجال عقود نقل التكنولوجيا حيث يتم اتباع استراتيجيات تفاوضية تقوم على تكتيكات ومناورات قد تودي بمبدأ حسن النية، الذي يجب التزامه عند بدأ المفاوضات، وأثناء سيرها، وفي إنهائها. 

ويتفرع عن مبدأ حسن النية إلى جانب الالتزام بالسرية، الالتزام بالإعلام الذي يعتبر سبباً للالتزام الأول:-


ويقصد بالالتزام بالإعلام: أن يلتزم كل مفاوض بأن يعلم الآخر بكل ما لديه من بيانات ومعلومات تتعلق بالعقد محل التفاوض، وذلك كي يكون المفاوض الآخر على علم كامل ودراية تامة بكل تفاصيل التكنولوجيا محل العقد وبالتالي يتمكن من تقديم العروض الملائمة له وفقاً لما تم الاعلام به والاعلام يجب أن يتم بشفافية تامة ، أي بصدق وصراحة ووضوح ، فلا يخفي المفاوض عن الآخر أي شيء ما دام جوهرياً ومهماً بالنسبة للمفاوض الآخر ومؤثراً في تحديد قيمة الصفقة وملاءمتها للغرض المقصود منها، فيذكر له مثلاً نوع التكنولوجيا المراد نقلها وطبيعتها ومدى تأثرها بالظروف الجوية وعدد الايدي العاملة اللازمة لاستثمارها وتشغيلها وحجم الانتاج المتوقع منها وغير. 

وبذلك يتضح لنا أن الوظيفة التي يؤديها مبدأ حسن النية في المفاوضات والحفاظ على سرية المعلومات والتي تتمثل بوصفة الإطار العام الذي يجب أن يسود عملية التفاوض وتبادل المعلومات والأسرار التجارية وبالتالي يجب على الأطراف المتفاوضة التعامل بما تقتضيه الأمانة والاستقامة والعدالة، وعليه فإن مبدأ حسن النية في التفاوض هو الذي يوجب على المتلقي ان يحافظ على الأسرار التجارية والصناعية المتبادلة أثناء المفاوضات وأن لا يخون الثقة التي أولاه إياها المانح. 

ويلتزم المتلقي بموجب هذا الاتفاق في مواجهة الحائز، باحترام ما اطلع عليه من معلومات سرية والتي يتم الكشف عنها لضرورات تفرضها المفاوضات الجارية، فإذا فشلت المفاوضات كان التزام المتلقي بالمحافظة على كتمان ما اطلع عليه وعدم استغلاله أو التصرف به إلى الغير هو التزاماً عقدياً يرتب المسؤولية العقدية في حال قيام الخطأ العقدي، إن طبيعة الالتزام بالتفاوض بحسن نية هو التزام ببذل عناية، وبالتالي لا يعني ضرورة التوصل الى ابرام العقد إلا أنه يستوجب أن يتم الانسحاب من المفاوضات لأسباب مبررة ومعقولة ولا تؤدي الى الأضرار بالطرف الآخر ولا ينبني على تعسف باستعمال الحق بالانسحاب ، فضلاً عن مراعاة القوة الملزمة للعقد والإرادة التعاقدية المتمثلة بالعقد شريعة المتعاقدين. 

ومن دلائل انتفاء حسن النية عند بدأ المفاوضات، الدخول فيها من قبل أحد الأطراف دون أن تكون لديه النية الحقيقية ورغبة الجادة في التعاقد، أما من دلائل انتفاء حسن النية أثناء المفاوضات هو السكوت التدليسي عن الإدلاء بمعلومات تؤثر في الوصول إلى اتفاق، وأخيراً فإن إثارة عقبات كرفع الثمن أو السعر بطريقة تدفع الطرف الأخر إلى الانسحاب في وقت كانت فيه المفاوضات على وشك الإفضاء إلى إبرام العقد النهائي فإن ذلك يعتبر من دلائل انتفاء حسن النية عند انتهاء المفاوضات. 

الفرع الثاني

الأساس المستند على العقد الضمني

ذهب هذا الاتجاه الى أن أساس التزام المتلقي بالالتزام بالحفاظ على السرية في مفاوضات عقود نقل التكنولوجيا هو العقد الضمني، على أساس أن هنالك عقداً ضمنياً بين المتفاوضين يلتزم بمقتضاه المتلقي بأن يحافظ على سرية المعلومات التكنولوجية والمعارف الفنية التي تطرح أثناء عملية التفاوض، ويعتقد أنصار هذا الرأي الى أن التفاوض على العقد هو دائماً ذو طبيعة عقدية، وذلك لأن هذا التفاوض يحدث في جميع الأحوال بناءاً على اتفاق سابق بين الطرفين، سواء أكان هذا الاتفاق صريحاً أم ضمنياً ، يقررا فيه الدخول الى التفاوض من اجل ابرام عقد معين قد اتفقا على بعض قواعده الجوهرية وعلى كل حال فهذا الرأي يفترض أن هنالك سابق معرفة وتقارب وتبادل لوجهات النظر بين الاطراف المتفاوضة قبل الدخول في موضوع العقد الذي يجري التفاوض من أجل ابرامه وعليه فأن هذا التقارب وتبادل وجهات النظر يصفه انصار هذا الرأي بأنهم قد أبرموا عقداً ضمنياً مضمونه التزام الطرف المتلقي بالحفاظ على كافة المعلومات السرية التي يطلع عليها أثناء عملية التفاوض سواء أكانت سرية بطبيعتها أو أن الطرف المانح هو الذي أسبغ عليها هذا الوصف. 

تتجه بعض التشريعات إلى البعد عن التكييف التقصيري للمسؤولية الناشئة عن قطع أو انهاء المفاوضات، فالمفاوضات تعتبر مقدمة لإبرام العقد، ويجب أن تقوم على الثقة والتعاون، فإذا أخل أحد الأطراف ما يجب أن يكون عليه العقد فيمكن مساءلته على أساس فكرة الخطأ في تكوين العقد أو عدم بذل العناية الواجبة لتكوين العقد. 

ونرى التفاوض عقد ذو نتيجة احتمالية، ويهيمن عليه مبدأ حرية التعاقد، بمعني أن كل متفاوض طيلة فترة المفاوضات يظل متمتعاً بكامل حريته في إبرام العقد أو عدم إبرامه، أي تكون إرادته غير نهائية، فقد يختلف الطرفان في أخر لحظة ويمتنعوا عن إبرام العقد. 

الفرع الثالث

الأساس المستند على المسؤولية التقصيرية

إن أساس الالتزام بالحفاظ على السرية في مفاوضات عقود نقل التكنولوجيا هو قواعد المسؤولية التقصيرية على اعتبار عدم وجود عقد ينظم هذه المسألة ، لأن إفشاء المعلومات والمعارف التكنولوجية السرية اثناء المفاوضات يشكل إخلالاً بالتزام عام يفرضه القانون مفاده عدم الاضرار بالغير، فالالتزام بالسرية يعتبر كغيره من الالتزامات التي تجد مصدرها في القانون، حيث يجد نفسه مستمد من نص القانون، قوامه الامتناع عن افشاء السرية. 

ووفقاً لهذا الرأي فأن إفشاء المعلومات أو البيانات أو التصاميم ونماذج صناعية أو تجارية تتسم بالسرية يشكل إفشاءها سبباً لتحقق المسؤولية استناداً الى النص القانوني الذي أوجب ذلك سواء وجد اتفاق أو لم يوجد ، فأن وجد هذا الاخير كانت المسؤولية عقدية، وأن لم يوجد كانت المسؤولية تقصيرية استناداً الى نص القانون الذي يوجب التزاماً قانونياً عاماً مفاده عدم الأضرار بالغير[45]

وما يدلل على ذلك أن القضاء الامريكي يؤكد هذا الاتجاه إذ يلاحظ ذلك في قضية (Calanis) ضد شركة (Proeter ) والتي تتلخص وقائعها بأن السيدة (Calanis) أرسلت الى شركة (Proeter) تخبرهم عن فكرة توصلت لها من شأنها تطوير مسحوق تنظيف الملابس وهي عبارة عن تركيبة من المسحوق العادي مضافاً لها مسحوق(Blue) الذي يجعل اللون الأبيض ناصعاً ويمنعه من الاصفرار ، ولكن شركة (Proeter) ردت بالاعتذار لكونها استخدمت افكاراً مشابهة دون ان تجدي نفعاً وعند انتهاء المفاوضات بين الشركة وبعد فترة من الزمن لوحظ في الاسواق مسحوق تنظيف جديد يحمل اسم(chear-Blue) وكان بناءاً على الفكرة التي قدمتها السيدة المذكورة، وقد حقق ذلك نجاحاً وشهرة كبيرة وعليه قدمت السيدة دعوى قضائية بحق الشركة أعلاه استناداً الى المفاوضات التي نشأت بينهما والتي طرحت خلالها هذه الافكار. وقد ذهبت المحكمة الى عد الشركة مخلة بالتزامها بالحفاظ على السرية لان السيدة ما كانت لتكشف عن سر التركيبة الا لغرض تحصيل نفع مادي من خلال التعاقد ، فأسست المحكمة التزام الشركة على اساس مسؤولية الشركة التقصيرية لأنه مادام لا يوجد اتفاق صريح بين الاطراف المتفاوضة على الالتزام بالحفاظ على السرية فأن المسؤولية تبنى على اساس احكام الفعل الضار. 

كما أن المشرع المصري قد فرض التزامات على المتلقي لصالح مانح التكنولوجيا بالحفاظ على سرية المعلومات والمعارف الفنية بالإضافة إلى التحسينات المدخلة عليها ورتب جزاءاً على تخلف الالتزام بالسرية واعتبر التزام المتلقي بالحفاظ على سرية المعلومات هو التزام بتحقيق نتيجة وليس بذل عناية. 

المشرع الفلسطيني كان على غرار المشرع المصري حيث نصت المادة (38) من قانون التجارة الفلسطيني الجديد على "يلتزم المستورد بالمحافظة على سرية التكنولوجيا التي يحصل عليها وعلى سرية التحسينات التي تدخل عليها، ويسأل عن تعويض الضرر الذي ينشأ عن افشاء هذه السرية سواء وقع ذلك في مرحلة التفاوض على ابرام العقد ام بعد ذلك" 

ونرى أنهم موقفهم كان موفقاً عند تنظيمه لهذا الالتزام المهم بنص قانوني قطعي لا يقبل التأويل أو الشك ليضع حداً لأي مشكلة قد تحصل بسبب ذلك سيما في الاحوال التي لا ينظم الاطراف المتفاوضة اتفاقاً على الالتزام بالحفاظ على السرية ، وبذلك فان هذا النص يؤسس على وجود التزام قانوني على عاتق الطرف المتلقي بالحفاظ على السرية سواء وجد الاتفاق أو لم يوجد مما يشكل حافزاً مشجعاً للطرف المورد يشجعه على الدخول في المفاوضات وهو مطمئن الى وجود ضمانة قانونية تضمن له الحفاظ على السرية التي تطرح وتعرض اثناء المفاوضات. 

وبذلك نجد أن هذا الاتجاه هو أكثر الآراء صواباً لأنه يوفر الضمانات القانونية الكافية للطرف المانح للحفاظ على أسراره التجارية ، فوفقاً لهذا الرأي وعند حصول أي اعتداء أو إفشاء للأسرار التجارية ما على الطرف المانح إلا أن يثبت ذلك الاعتداء لتثار المسؤولية المدنية والجزائية والتي يتولى القانون تنظيمها دون حاجة لإثبات وجود العقد أو شرط في عقد أو اتفاق ضمني أو صريح ينظم ذلك الالتزام لأنه التزام يفرضه القانون وهو الذي تكفل بترتيب آثاره. 

إلا أنه ومن الناحية الواقعية والعملية نلاحظ ان أغلب الأطراف المانحة للتكنولوجيا لا يكتفون بهذه الحماية القانونية وإنما يبحثون عن ضمانات تكميلية كالتعهد الكتابي المسبق أو الكفالة المالية أو غير ذلك من الإجراءات التي تم الإشارة لها والتي توفر جانباً من الحماية القانونية للأسرار التجارية المعلن عنها في المفاوضات العقدية. 

الخاتمة

  • النتائج:-

1- عقد نقل التكنولوجيا هو اتفاق يتعهد بمقتضاه مورد التكنولوجيا بأن ينقل بمقابل معلومات فنية إلى مستورد التكنولوجيا لاستخدامها في طريقة فنية خاصة لإنتاج سلعة معينة أو تطويرها أو لتركيب أو تشغيل آلات أو أجهزة أو لتقديم خدمات ولا يعتبر نقلاً للتكنولوجيا مجرد بيع أو شراء أو تأجير أو استئجار السلع ، ولا بيع العلامات التجارية أو الأسماء التجارية أو الترخيص باستعمالها إلا إذا ورد ذلك كجزء من عقد نقل التكنولوجيا أو كان مرتبطاً به. 

2- تعد اتفاقية تريبس أول اتفاقية دولية تتطرق إلى موضوع الأسرار التجارية بهدف حمايتها على المستوى الدولي، وقد اعتبرها فرعاً من فروع الملكية الفكرية. 

3- الأسرار التجارية فهي أية معلومات فنية أو معرفة تقنية أو طريقة أو وسيلة أو أسلوب يتعلق باستعمال تكنولوجيا معينة، أو أي برنامج أو تصميم، على أن تكون غير مباحة للجميع وغير معلومة من قبل الآخرين، ويكون لها قيمة اقتصادية نابعة من منحها لحائزها قيمة تنافسية عالية يمتاز بها عن غيره من المنافسين. 

4- إن الالتزام بالحفاظ على السرية في مفاوضات عقود نقل التكنولوجيا يكون التزاماً بتحقيق نتيجة دائماً ، ويعد التزاماً سلبياً غير قابل للتجزئة وبالتالي فأن طبيعته لا يمكن ان تكون إلا بتحقيق نتيجة. 

5- هنالك عدد من الضمانات التي تضمن للحائز قيام المتلقي بتنفيذ التزامه بالحفاظ على السرية ، يقف بمقدمتها التعهد الكتابي المسبق الذي يتعهد بموجبه الأخير بعدم إفشاء المعلومات السرية التي يطلع عليها وإلا تعرض للمسؤولية العقدية ، وكذلك الكفالة المالية. 

6- إن نطاق الالتزام بالحفاظ على السرية غير مطلق وإنما مقيد من حيث الموضوع بالمعلومات والمعارف التكنولوجية التي تعد سرية بطبيعتها أو تلك التي يصفها حائزها بهذه الصفة وكذلك من حيث الأشخاص فإن هذا الالتزام لا يقتصر على المتلقي وإنما يشمل مساعديه وخبراءه وتابعيه ومن حيث المدة فنلاحظ ان هذا الالتزام يبقى مستمراً مادامت هذه المعلومات والمعارف تتمتع بطابع السرية ما لم يتم الاتفاق على خلاف ذلك من خلال تحديد فترة زمنية لهذا الالتزام. 

7- إن أساس الالتزام بالسرية في مرحلة المفاوضات هو الأساس الذي يستند إلى المسؤولية التقصيرية، وقد أحسن المشرع الفلسطيني والمصري في تنظيم هذا الالتزام بنص قطعي لا يقبل التأويل ليضع حداً لأي إشكالية قد تحصل بسبب ذلك خصوصاً في الأحوال التي لا ينظم فيها الأطراف المتفاوضة اتفاقاً على الالتزام بالسرية. 
  • التوصيات:-
1- الاسراع بتشريع قانون ينظم حماية حقوق الملكية الفكرية وافراد فصل مستقل لتنظيم حماية الاسرار التجارية والمعلومات غير المفصح عنها بوصفها من اهم حقوق الملكية الفكرية، تماشيا مع مبادئ اتفاقية تربس trips لحماية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية لسنة 1994.

2- توفير اكبر قدر من الضمانات القانونية في مرحلة المفاوضات العقدية سيما التعهد الكتابي الذي يترتب على الاخلال به تحقق المسؤولية العقدية فضلا عن اتباع بعض الاجراءات الوقائية للحفاظ على عنصر السرية في مرحلة المفاوضات والمتمثلة بعدم الافصاح عن المعلومات والمعارف التكنولوجية السرية الا بالقدر الضروري وبنطاق ضيق فضلا عن الحرص على اجراء المفاوضات في اماكن خاصة مؤمنة وبحضور عدد محدود من المعنيين  
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات