نطاق سلطة القاضي في الإثبات المدني

 سلطة القاضي في تقدير أدلة الإثبات, السلطة التقديرية للقاضي المدني PDF, سلطة القاضي التقديرية في المواد المدنية والتجارية PDF, سلطة القاضي في تقدير أدلة الإثبات, دور القاضي في الإثبات PDF, السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع, السلطة التقديرية للقاضي PDF, مفهوم السلطة التقديرية للقاضـي المدني,

نطاق سلطة القاضي في الإثبات المدني 

لا تنفصل سلطة القاضي التقديرية في الإثبات المدني عن ممارسة نشاطه القضائي، فهو يمارس هذه السلطة بغية تحقيق الغاية الموضوعية من القانون، فالقاضي يحقق العدالة بين الخصوم من خلال تطبيق القانون فيما يعرض عليه من نزاعات، ولتحقيق هذه الغاية يقتضى علم القاضي أولاً بالقانون، ثم بحقيقة الوقائع المعروضة عليه في المنازعة، فعلمه بالقانون يعتبر من متطلبات مهنته ، أما علمه بالوقائع فيتحقق من خلال دوره الإيجابي في الخصومة عن طريق المعاينة والترجيح والاستنباط مما يشاهده أو يسمعه من وقائع أو مما يعرض عليه من أدلة الإثبات. 
وقد ظهر مذهبين فقهيين أساسيين في تحديد دور القاضي ومدى نطاق سلطته التقديرية منهم من أطلق يد القاضي للوصول للحقيقة بأي وسيلة يرتئيها، ومنهم من قيد سلطته إلى حد أن يقف موقف المتفرج على المبارزة بين الخصوم ليقضي لمن قدم دليله، ثم ظهر مذهباً وسطاً يتلافى عيوب المذهبين المتطرفين، لذا سنتناول الحديث عن هذه المذاهب الثلاثة ثم سنعرض لموقف المشرع الفلسطيني وبعض التشريعات المقارنة ونعرج على موقف الفقه الإسلامي من المسألة، وذلك لنقف على دور القاضي في تسيير الدعوى بناء على المذاهب الثلاث وهو ما يعرف بمبدأ حياد القاضي لما له ارتباط وثيق بالمذاهب المذكورة، وذلك في عدة فروع: 

الفرع الأول
المذهب المطلق (الحر) 

يتيح هذا المذهب للقاضي سلطة واسعة في توجيه الدعوى والسير فيها بدون أي قيود أو حدود ،ويعطيه الحرية الكاملة في تكوين عقيدته بغية الوصول إلى الحقيقة، وله في سبيل ذلك استخدام أي طريق يوصله إلى الحقيقة، دون أن يتقيد بإتباع طرق محددة في الإثبات، وبالتبعية فإن هذا المذهب يعطي الخصوم في الدعوى ذات المكنة من سلوك أي مسلك يوصلهم للحقيقة ولهم في سبيل ذلك الحرية الكاملة، فلا يرسم القانون طرقاً محددة للإثبات يقيد بها القاضي والخصوم. 
وقد أخذت معظم الشرائع بهذا المذهب في بعض أطوارها ولا زالت تأخذ بعض الشرائع مثل القانون الألماني والسويسري والإنجليزي والأمريكي، ولا زالت الكثير من الأنظمة تأخذ به في المسائل التجارية، وجميع الأنظمة تقريباً تأخذ به في القوانين الجنائية، ومن أبرز مزايا هذا المذهب أنه يقرب كثيراً بين الحقيقة القضائية والحقيقة الواقعية لمصلحة العدالة. 
وإن كان ظاهر هذا المذهب هو تحقيق العدالة التي هي مناط الدعوى وغايتها السامية، إلا أن هذه العدالة المرجوّة من هذا المذهب هي عدالة ظاهرية أكثر منها حقيقية، فالظاهر أن هذا المذهب يقرب الحقيقة القضائية من الحقيقة الواقعية ولكنه يغفل أن القاضي بشر يصيب ويخطئ، بل أنه قد يجور ويزيغ عن الحق مما يؤدي إلى نتائج خطيرة أهمها إهدار العدالة وضياع الحقوق، وبذلك تبتعد الحقيقة القضائية عن الواقعية، وحتى لو افترضنا صلاح القاضي ونزاهته فإن هذا المذهب يقوض الثقة والاستقرار في التعامل لأنه يفتح مجال في التقدير من قاضٍ إلى آخر فيعرض الخصوم لمفاجآت غير سارة ويسلبهم الاطمئنان إلى قوة مراكزهم، ويشجع الظالمين والمماطلين على المنازعة في الحق الثابت أملاً في الإفادة من اختلاف القضاة في التقدير، كما يؤدي هذا المذهب إلى تمكين الخصوم من التهاتر والمضاربة بالأدلة الضعيفة كشهادة الشهود التي تحتمل الصدق والكذب، والقرائن التي كثيراً ما يقع الكثيرين في خطأ استنتاجها هذا فضلاً عن ضياع وقت القضاة في بحثها. 

الفرع الثاني
المذهب القانوني (المقيد)
 

وفي محاولة من الشرائع القانونية لتلافي عيوب المذهب الحر فقد قامت بانتهاج مذهب معاكس تماماً، ومقتضى هذا المذهب أن يلقي المشرع عبء الإثبات على الخصوم وفقاً لطرق محددة مسبقاً من قبله دون أي تدخل من القضاء، بحيث لا يجوز لهم إقامة الدليل على مطالبهم القضائية بطرق لم ينص عليها القانون بالأدلة المحددة سلفاً، كما لا يجوز للقاضي أن يقبل من الخصوم أي دليل خارج عن الأدلة المحددة مسبقاً، ولا يجوز للقاضي أيضا أن يعطي أي دليل قيمة أكثر أو أقل من التي حددها له القانون، فموقف القاضي في هذا النظام سلبي محض فلا يجوز له تكملة النقص في أدلة الخصوم. 
وهذا المذهب يؤدي إلى إضفاء الاستقرار في التعامل، بحيث يطمئن الخصوم ويأمنوا خطأ القاضي وجوره، ويبعده عن التحكم ويمنع التعسف الذي قد يشوب حكمه، كما أن هذا المذهب يضمن عدم حكم القاضي بعلمه الشخصي ولا بما توصل إليه من قناعة شخصية، لأنه مقيد بإتباع وسائل إثبات محددة. 
ويعاب على هذا المذهب أنه وعلى ما يحتوي عليه من دقة حسابية وما يتضمنه من ضوابط تكفل استقرار التعامل، إلا أنه يباعد بين الحقيقة القضائية والحقيقة الواقعية، فقد تكون الحقيقة الواقعية ملء السمع والبصر إلا أنها لا تصبح حقيقة قضائية بموجب هذا المذهب المقيد بوسائل إثبات محددة حصراً فهو يسلب القاضي أي سلطة تقديرية ويجعل وظيفته آلية، ويمكن الظالم الفاجر من ظلمه وفجوره طالما أنه يأخذ الحيطة من عدم قيام الدليل القانوني ضده. ونظراً لتعدد وكثرة عيوب هذا المذهب والذي ساد في القارة الأوروبية قديماً، حيث تبنته معظم الشرائع اللاتينية، فإنه لا يتصور أن يأخذ به أي نظام قانوني حديث، لذا لجأت غالبية الأنظمة الحديثة إلى إتباع المذهب المختلط. 

الفرع الثالث 
المذهب المختلط 

في هذا المذهب وجدت الكثير من التشريعات ضالتها لدرء عيوب المذهبين المتطرفين السابقين والإفادة من مزايا كليهما، فمزجت بين النظامين (الحر والمقيد) وجمعت مزايا كلا المذهبين في نظام واحد وتخلصت من عيوبهما بنظام وسطي لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ويمكن القول أن هذا النظام يجعل دور القاضي وسطاً بين الإيجابية والسلبية، فلم يترك له الحرية الكاملة، ولم يعطِ الخصوم سلطة مطلقة على سير الدعوى. 
ولم تترك الشرائع الأمر بهذه الدرجة من العمومية بل وضعت ضابط يفصل بين التقييد والإطلاق، فمثلاً أخذت الشرائع بمبدأ حياد القاضي ومبدأ حصر الأدلة وتقييدها وقامت بالتخفيف من مضارهما بأن منحت القاضي سلطة واسعة في تقدير قيمة ما يعرض عليه من الأدلة التي عينها القانون، فحيث يجوز الإثبات بالبينة مثلا لا يتقيد بها القاضي مهما بلغ عدد الشهود ولا يلتزم بما أجمع عليه الشهود بل له أن يقضي بعكس ذلك كما يجوز له عند اختلافهم أن يغلب شهادة القلة على شهادة الكثرة، وعلى كل حال فكل هذه الحرية للقاضي مقيدة بإلزام القاضي بشرح الأسباب التي اعتمد عليها في حكمه وهو ما يعرف بتسبيب الأحكام، وهذا النظام قد تلافى عيوب سابقَيه وبحق ومن أهم ميزاته أنه يقارب بين الحقيقة الواقعية والحقيقة القضائية دون الإخلال بما يجب في التعامل من ثقة واستقرار. 
هذا وإن اقتراب الحقيقة الواقعية عن الحقيقة القضائية في هذا المذهب لا يرتقي إلى حد يجعل للأدلة قوة قطعية، فلا تزال للأدلة بموجبة حجة ظنية، ولا تزال الحقيقة القضائية هي مجرد احتمال راجح وليست حقيقة قطعية، لأن اشتراط القطعية في الحجج يقفل باب الاجتهاد أمام القاضي لعدم إمكانية ذلك. وقد أخذت معظم التشريعات بهذا النظام في الإثبات ولكن بدرجة متفاوتة، فمن النظم من غلب الحرية للقاضي على القيود مما يقرب الحقيقة الواقعية عن القضائية ومنها على العكس مما يباعد الحقيقة الواقعية عن القضائية فيغلب الاستقرار في التعامل، وخير النظم من وازن بين الاعتبارين ليقترب أكثر من العدالة. 

الفرع الرابع 
موقف المشرع الفلسطيني وبعض التشريعات المقارنة 

سلك المشرع الفلسطيني في قانون البينات رقم 4 لسنة2001 مسلك الكثير من التشريعات المقارنة الحديثة كالتشريع المصري والتشريعات اللاتينية، وذلك بالأخذ بنظام الإثبات المختلط، حيث أعطى القاضي والخصوم الحرية في الإثبات في أحوال معينة كالمسائل التجارية وإثبات الوقائع المادية، وبالمقابل وضع القانون قيوداً على القاضي والخصوم في الإثبات في مسائل أخرى، مثل التصرفات القانونية في المعاملات المدنية التي تزيد قيمتها على 200 دينار أردني، كما أن المشرع أعطى قوة ثبوتية ملزمة لبعض الأدلة كالكتابة والقرائن القانونية القطعية واليمين الحاسمة، وأعطى القاضي سلطة تقديرية في أدلة أخرى كالشهادة والقرائن واليمين والخبرة والمعاينة، كما أن القانون أعطى الخصوم هامشاً من الحرية في إثبات حقه من خلال الاستعانة بخبير مثلاً. 

الفرع الخامس
موقف الفقه الإسلامي 

اختلف فقهاء الشريعة الإسلامية في طرق الإثبات الجائز إقامة البينة بها على قولين: 
القول الأول: وهو قول الجمهور حيث يحصر طرق القضاء(الإثبات) في عدد معين وهي سبع طرق محصورة في البينة (الشهادة)، والإقرار، واليمين، والنكول عن اليمين، والقسامة، وعلم القاضي، والقرينة القاطعة، ومنهم(الجمهور) من لا يرى في القرينة القاطعة كوسيلة إثبات لما فيها من احتمال عدم الدلالة، ومن الجمهور من رفض علم القاضي كدليل إثبات وذلك ترجيحا لسمعته ونفيا للتهمة عنه. وقد تعددت أقوال علماء الجمهور فيما يتعلق بعدد وسائل الإثبات بين موسع ومضيق ولا يتسع المقام لذكر كل هذه الأقوال والمهم في الأمر أن الجمهور قد اتفقوا على مبدأ حصر أدلة الإثبات وتقييد القاضي بها بحيث لا يخرج عنها وكذلك الخصوم. 
القول الثاني: وهو لابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله فهما لا يرون انحصار طرق الإثبات في عدد معين، فكل أمر يترجح للقاضي أنه دليل يصلح لإثبات الواقعة المدعى بها فهو يصلح لان يكون دليلا للحكم به، يقول ابن القيم في إعلام الموقعين: (فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض، فإذا ظهرت أمارات الحق، وقامت أدلة العقل، وأسفر صبحه بأي طريق كان؛ فثم شرع الله ودينه ورضاه وأمره، والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدل وأظهر، بل بين بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها الحق ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها. 
والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها، وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد، ولكن نبه بما شرعه من الطرق على أسبابها وأمثالها، ولن تجد طريقا من الطرق المثبتة للحق إلا وهي شرعة وسبيل للدلالة عليها، وهل يظن بالشريعة الكاملة خلاف ذلك؟). 
وأرى أن العلامة بن قيم الجوزية رحمه الله تعالى قد أراد بهذا القول أولاً الإثبات المدني والجنائي، و وضع قاعدة عامة في الإثبات وبين الغاية الأساسية منه وهي إقامة العدل ثانياً، ولا أظنه بذلك يذهب لإطلاق يد القاضي والخصوم في الإثبات وهو بهذا القول أقرب ما يكون من نظرية الإثبات المختلط. 

الفرع السادس 
مبدأ حياد القاضي 

بعد أن استعرضنا للنظريات الفقهية التي تناولت تحديد نطاق سلطة القاضي المدني يتبين أن دور القاضي في الإثبات يتوقف على تحديد النظام المعمول به، حيث إن التشريعات الأنجلو أمريكية قد تبنت نظام الإثبات الحر وأطلقت يد القاضي في إثبات الدعوى دون التقيد بطرق إثبات محددة ومنحته دور ايجابياً واسعاً ينشط القاضي فيه إلى توجيه الخصوم واستكمال ما نقص من الأدلة، وأن التشريعات اللاتينية قد أخذت بمبدأ الإثبات القانوني (المقيد) والذي يحد من الدور الإيجابي للقاضي للاعتبارات التي ساقها مؤيدو هذا المذهب، ومذهب الإثبات المختلط الذي ساد في معظم التشريعات الحديثة والذي يتخذ موقفا وسطاً بين النظامين فيقيد القاضي في طرق الإثبات ويمنحها قوة إثبات متفاوتة ويمنح القاضي دوراً إيجابياً للتدخل في بعض الأحيان وتوجيه الدعوى نحو العدالة. 
ولا شك أن جل التشريعات الحديثة أخذت بمبدأ شهير يعرف بمبدأ حياد القاضي، فهل هذا المبدأ يعني حياد القاضي سلبا؟ بحيث لا يجوز له التدخل وتوجيه الخصومة، أم أن للحياد معنى آخر؟، وإذا اعترفنا لقاضي بدور إيجابي فما مظاهر هذا الدور؟ هذا ما سوف نعرفه من خلال التعرف على مبدأ حياد القاضي، وذلك عبر عدة غصون: 

الغصن الأول 
المقصود بمبدأ حياد القاضي 

ليس المقصود بحياد القاضي عدم تحيزه إلى أحد الخصوم، لأن هذا أمر بديهي ولا يتصور معه (التحيز) أن تقوم سلطة القضاء، وهو أمر مفترض في القاضي بداهة بحكم وظيفته، بل أن معناه أن يقف القاضي موقفا سلبيا من كلا الخصمين على حد سواء، حيث إن القاضي لا يحكم في النزاع إلا بناء على الأدلة المقدمة أمامه من كلا الخصمين، وليس له أن يعمد إلى دليل قد تحراه بنفسه دون طرحه على الخصوم ومواجهتهم به، كما لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه الشخصي، لأنه لو جاز ذلك لكان من حق الخصم المتضرر أن يفند ما يعلمه القاضي ويثبت عكسه بموجب حق الدفاع وهو ما يجعل القاضي خصماً وحكماً في نفس الوقت وهو ما لم يقل به أحد، باستثناء المعلومات المستقاة من الخبرة بالشؤون العامة فهي لا تعد من قبيل المعلومات الشخصية المحظور على القاضي بناء حكمه عليها، كما أنه ليس للقاضي أن يبني حكمه على واقعة لم تقدم في الدعوى طبقاً لما يقرر القانون من إجراءات، ويلتزم القاضي بتسبيب حكمه. 

ومبدأ حياد القاضي يقوم على اعتبارين أساسيين يتحقق من خلالهما التوازن وهما: 
الأول: يرمي إلى تغليب العدالة بتفضيل الحقيقة الواقعية على القضائية، فيطلق يد القاضي في سبيل ذلك للوصول إليها بأي طريق والثاني: فهو يغلب استقرار المعاملات فيفرض على القاضي احترام بعض الأشكال والمظاهر المستقرة بين الناس فلا تثبت الحقيقة القضائية إلا من خلال طريق محدد رسمه القانون وهذه الطرق قد يشوبها الغموض مما يباعد بين الحقيقة القضائية والواقعية. 
ورغم ما تشكله هذه المبادئ من ضمان لحياد القاضي إلا أن الأخذ بها على إطلاقها يؤدي إلى تعطيل العدالة، لذلك منحت معظم التشريعات الحديثة وخاصة التي تبنت نظرية الإثبات المختلط القاضي بعض السلطات الإيجابية بقصد تمكين القاضي من الوصول إلى الحقيقة، حيث أن الخصومة ليست مجرد نزاع فردي بين خصمين بل أن للمجتمع مصلحه حيوية في استقرار التعامل وإرساء العدالة وانتصار الحق، والقاضي يمثل المجتمع في سبيل ذلك. وهناك الكثير من الحالات التي منح فيها المشرع الفلسطيني دوراً إيجابياً للقاضي. 

الغصن الثاني 
موقف المشرع الفلسطيني من مبدأ حياد القاضي 

تبنى المشرع الفلسطيني المذهب المختلط في الإثبات كما أسلفنا، وهو ذات المسلك الذي سلكه المشرع المصري، والذي بموجبه يحدد طرق الإثبات على سبيل الحصر ويحدد حجيتها، بحيث لا يجوز للقاضي الخروج عليها، ولكنه منحه سلطة تقدير الدليل وفقا للقيمة التي يضفيها القانون على كل دليل ومؤدى ذلك أن يتحرر القاضي في حالات معينة من قيود مبدأ حياد القاضي ويقوم بدور إيجابي في عملية الإثبات، لذا فقد تعددت نصوص قانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية وقانون البينات بالكثير من المواد التي تعطي القاضي دورا إيجابيا وسلطة تقديرية تمكنه من تحقيق العدالة، ونعرض لبعض هذه النصوص ثم نعلق عليها: 
– ما نصت عليه المادة (82) من قانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية رقم(2) لسنة 2001م، والتي نصت في الفقرة الأولى ” للمحكمة ولو من تلقاء نفسها إخراج أي من المدعى عليهم في الدعوى إذا لم يكن هناك محل لإدخاله، ولها ولو من تلقاء نفسها إن تدخل في الدعوى من ترى إدخاله لإظهار الحقيقة أو لمصلحة العدالة”. 
– ما نصت عليه المادة (99) من القانون المذكور حيث نصت في الفقرة الأولى على ” يجوز للمحكمة في حالتي الإدخال والتدخل تكليف المدعي أن يعدل لائحة دعواه بمقدار ما تتطلبه العدالة”. 
– ما نصت علية المادة(35) من قانون البينات في المواد المدنية والتجارية الفلسطيني رقم (4) لسنة 2001م، والذي ينص على: ” يجوز للمحكمة من تلقاء نفسها أو بناء على طلب الخصوم إن تطلب أوراقا أو سندات من الدوائر الرسمية إذا تعذر على الخصوم ذلك”. 
– ما نصت علية المادة(80) من قانون البينات في المواد المدنية والتجارية الفلسطيني رقم (4) لسنة 2001م، والذي ينص على:1- ” للمحكمة من تلقاء نفسها أن تأمر بالإثبات بشهادة الشهود في الأحوال التي يجيز القانون فيها الإثبات بالشهادة متى رأت في ذلك فائدة للحقيقة” 2- ” يكون للمحكمة في جميع الأحوال كلما أمرت بالإثبات بشهادة الشهود أن تستدعي للشهادة من ترى لزوما لسماع شهادته إظهارا للحقيقة”. 
– ما نصت علية المادة(122) من قانون البينات الفلسطيني حيث نصت على: “للمحكمة ان تستجوب من يكون حاضرا من الخصوم إظهارا للحقيقة في الدعوى، ولكل منهم أن يطلب استجواب خصمه الحاضر”. 
– ما نصت عليه المادة (146) من قانون البينات والتي تنص في الفقرة الأولى منها على: “اليمين المتممة هي التي توجهها المحكمة من تلقاء نفسها لأي من الخصمين لتبني على ذلك حكمها في موضوع الدعوى أو قيمة ما تحكم به”. 
– ما نصت علية المادة(150) من ذات القانون المذكور والتي جاء فيها “يجوز للمحكمة أن تقرر من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد الخصوم الانتقال لمعاينة الشيء المتنازع عليه أو أن تندب أحد قضاتها لذلك”. 
بعد استعراض هذه النصوص التي توضح بشكل جلي موقف المشرع الفلسطيني وفلسفته في مجال الإثبات والذي يجاري الكثير من التشريعات الحديثة كالتشريع المصري واللاتيني الحديث، حيث يتبين لنا أن مشرعنا الفلسطيني قد منح القاضي دورا إيجابيا لا بأس به الهدف الأساسي منه هو تحقيق العدالة والوصول للحقيقة من خلال تدخل القاضي في تسيير الخصومة وتوجيهها بما له من سلطة تقديرية على النحو الذي يؤدي إلى تحقيق العدالة، وكما يقول العلامة السنهوري: “إن الحياد لا يتعارض مع التدخل والإيجابية ولا مع تقييد القاضي بأدلة محددة وبتحديد قيمة هذه الأدلة، فإن هذا التقييد يجب أن تقابله حرية القاضي في تقدير وزن كل دليل في حدود قيمته القانونية، حتى يستجلي الحقائق واضحة كاملة”. 
وهذا الموقف الإيجابي للقاضي لا يحول دون التزامه بالقواعد التي تطلبها قانون البينات والمتعلقة بطرق الإثبات والأحوال التي يتعين فيها اللجوء إلى كل طريق، والإجراءات والأوضاع التي يجب مراعاتها عند إتباع أي طريق من طرق الإثبات عند تقديره لقوة الدليل المستخلص منه، كما أن القاضي ملزم بتسبيب حكمه. 

الغصن الثالث 

مظاهر الدور الإيجابي للقاضي 

تبدو مظاهر الدور الإيجابي من عدة جوانب نبينها فيما يلي: 
أولا: سلطة القاضي بصدد وقائع الدعوى. 
للقاضي سلطة واسعة في تحصيل فهم الواقع في الدعوى، حيث أن فهم الواقع يؤدي إلى الوصول للحقيقة وإسقاط القانون على الواقع ومن ثم تحقيق العدالة المبتغاة من الدعوى، فإذا قام القاضي بما عليه لفهم الواقع وبين الحقيقة التي اقتنع بها وبني حكمه على أسباب سائغة فلا تثريب عليه بعد ذلك أن يتتبع الخصوم في مختلف أقوالهم وحججهم وطلباتهم ولا رقابة لمحكمة النقض عليه في ذلك. 
ثانياً: سلطة القاضي بصدد إجراءات الإثبات. 
يجوز للمحكمة أن ترفض طلب التحقيق الذي يطلب منها كلما رأت أنها ليست في حاجة إليه، ولقاضي الموضوع السلطة التامة في التحقق من تقديم الدلائل والمستندات تقديماً صحيحاً، وموازنة بعضها البعض وترجيح ما تطمئن نفسه إلى ترجيحه منها واستخلاص ما يراه منتجاً في الدعوى، والأمر بإجراء التحقيق لإثبات وقائع يجوز إثباتها بالبينة ليس من حق الخصوم وإنما متروك للمحكمة، فلها أن ترفضه متى رأت في أوراق الدعوى ما يكفي لتكوين عقيدتها مع ضرورة بيان أسباب رفضها لهذا الطلب في منطوق الحكم، وللمحكمة في بعض الأحيان الحق في أن تأمر ومن تلقاء نفسها باتخاذ ما يلزم من إجراءات الإثبات، ومن تطبيقات ذلك ما يتعلق بشهادة الشهود والاستجواب واليمين المتممة والمعاينة والخبرة كما سنرى ذلك تفصيلاً. 
ثالثاً: للقاضي العدول عن إجراءات الإثبات: 
وهذا ما أجازته المادة السادسة من قانون البينات الفلسطيني، فيجوز للقاضي بعد الأمر بإجراء معين أن يعدل عنه ولا ينفذه، إذا طرأت ظروف تبرر هذا العدول، ويكون ذلك في حال قُدم له دليل آخر يغني عن الإجراء واقتنع به القاضي، ولكن القاضي ملزم ببيان الأسباب التي بناء عليها عدل عن الإجراء، ولا ضرورة لبيان الأسباب إذا كان الأمر بالإجراء كان بناء على قرار القاضي من تلقاء نفسه، ويستثنى من ذلك إذا كان العدول عن الإجراء يؤدي إلى الفصل في حق من الحقوق المتنازع عليها. 
رابعاً: للقاضي حرية تقدير الدليل: ونتيجة لذلك: 
1- للقاضي السلطة المطلقة في تقدير الدليل المقدم إليه في الدعوى لكي لا يبني حكمه إلا على الدليل الذي يطمئن إليه وجدانه وشعوره، وللقاضي وهو في مقام الموازنة بين أدلة الإثبات وأدلة النفي في الدعوى أن يأخذ بعضها ويطرح البعض الآخر ولا يخضع في ذلك لرقابة محكمة النقض. 
2- للقاضي في تقدير الأدلة أن يوازن بينها مفضلاً بعضها على بعض فيقضي بما اطمئن به ويطرح ما عداه، دون رقابة عليه من محكمة النقض وهو ليس ملزم ببيان أسباب ترجيح دليل على آخر، ولا بالرد استقلالاً على الأدلة التي لم يأخذ بها. 
3- لقاضي الموضوع سلطة تقدير كفاية الأدلة التي يقيم عليها قضاءه دون رقابة محكمة النقض، ما دامت هذه الأدلة تؤدي إلى النتيجة التي استخلصها منها. 
خامساً: سلطة القاضي قبول الطلب أو رفضه: 
للقاضي أيضاً سلطة تقديرية واسعة في تحديد مدى إمكانية الحكم بقبول طلب الإحالة للتحقيق لإثبات واقعة يجوز إثباتها بشهادة الشهود أو رفضه، إما لأن الوقائع لا تصلح للإثبات بالشهادة، أو لعدم جدوى هذه الوسيلة ولوجود أدلة تكفي لتكوين قناعة القاضي، والقاضي ملزم ببيان أسباب الرفض. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى