تعريف القانون التجاري ونشأته ومصادره

 مصادر القانون التجاري, نشأة القانون التجاري, أهداف القانون التجاري, ملخص قانون تجاري, أسباب وجود القانون التجاري, مادة القانون التجاري, بحوث تخرج في القانون التجاري, نطاق القانون التجاري,

تعريف القانون التجاري ونشأته ومصادره

التجارة تعني في مفهومها أو مدلولها الاقتصادي السعي في سبيل إتمام تبادل السلع والبضائع ووصولها إلى الراغبين فيها لاستهلاكها أو اقتنائها، ويلاحظ على هذا المفهوم للتجارة أنه ضيّق ويقتصر على تداول أو توزيع الثروات، بينما المدلول القانوني للتجارة يختلف عن مدلولها الاقتصادي. 
فالتجارة وفقاً للمدلول القانوني تشمل بالإضافة لعمليات التداول والتوزيع العمليات الإنتاجية والصناعية، فإذا كانت التجارة لها مفهوم أشمل وأوسع في القانون عنه في المجالات الأخرى، فما مفهوم هذا القانون الذي يحكم هذه التجارة، وكيف نشأ واستقل في هذا المجال وما هي أهم مصادر القانون التجاري؟ سيتم تناول ذلك على النحو الآتي: 

تعريف القانون التجاري 

إذا كان القانون المدني وهو الشريعة العامة لكل فروع القانون الخاص يختص بتنظيم نشاط الأفراد بغض النظر عن نوع النشاط، أو صفة القائم به، فإن القانون التجاري يختص بتنظيم نشاط معين هو النشاط التجاري، وفئة معينة هي فئة التجار، ويظهر ذلك من نص المادة (1) من قانون التجارة الفلسطيني رقم (2) لسنة 2014، حيث نصت “تسري أحكام هذا القانون على الأعمال التجارية و التجار.” 
وعليه نخلص إلى أن القانون التجاري هو ذلك الفرع من فروع القانون الخاص الذي يطبق على نوع معين من الأعمال (الأعمال التجارية) وطائفة محددة من الأشخاص (طائفة التجار). 
ويُفهم مما سبق أنه حتى يتم تطبيق القانون التجاري لا بد أن نكون أمام عمل تجاري أو تاجر، أي أن المشرع الفلسطيني أخذ بنظرية تتوسط النظرية الشخصية التي جعلت من التاجر أساس لتطبيق القانون التجاري بغض النظر عن العمل التجاري، فهذه النظرية انتقدت بأنه يصعب حصر المهن والحرف التي تكسب الشخص صفة التاجر، كما أن المشرع الفلسطيني أيضاً أخذ بنظرية تتوسط النظرية الموضوعية التي جعلت العمل التجاري أساس تطبيق القانون التجاري بغض النظر عن صفة الشخص القائم به، وقد انتقدت هذه النظرية بأنه يصعب إيجاد معيار دقيق لما يعتبر عمل تجاري من عدمه. 
ولكن السؤال الذي يثار هنا إذا كان القانون المدني هو الشريعة العامة لتنظيم العلاقات بين الأفراد، فلماذا لم تحكم نصوصه تلك العلاقات التي تنشأ بين التجار نتيجة مباشرتهم لنشاطهم التجاري؟ أو بمعنى آخر ما هي مبررات وجود قانون خاص يحكم المعاملات التجارية القائمة بين التجار؟ في الحقيقة هناك سببين جوهريين يبرران وجود القانون التجاري واستقلاله بتنظيم الحياة التجارية: 
الأول: أن البيئة التجارية قوامها السرعة فالمعاملات التجارية تتم بكثرة في حياة التاجر، كما أنها ترد على منقولات معرضة لتقلبات الأسعار أو قابلة للتلف مما ينبغي معه إبرامها بسرعة، ذلك كله على عكس الحياة والبيئة المدنية التي تتصف بالبطء والتروي، كما أن الأعمال المدنية لا تحدث في حياة الفرد إلا نادراً أو في فترات متباعدة، فالعامل لا يبرم عقد عمل كل يوم، والزارع لا يتكرر منه شراء أرض زراعية عدة مرات. 
الثاني: أن البيئة التجارية قوامها الثقة والائتمان، ويتمثل هذا الائتمان في منج المدين أجلاً للوفاء فالتاجر يشتري البضاعة دون أن يتمكن من بيعها في الحال، لذا يمنحه البائع أجلاً للوفاء، وفي الحالات التي يرفض فيها الأخير منح الائتمان يلجأ التاجر إلى أحد البنوك للحصول على هذا الائتمان، ومعنى ذلك إن التجارة لا غنى لها عن الائتمان، ومن أثر ذلك أن يكون التجار دائنين في بعض العلاقات ومدينين في بعضها الآخر، لذا إنّ تخلف أحدهم عن الوفاء بدينه في مواعيد استحقاقه يستتبع عجز الآخرين بدورهم عن أداء ديونهم. 
إذن المعاملات التجارية قوامها السرعة والائتمان، الأمر الذي ترتب عليه خضوعها لنظام مغاير لذلك الذي يحكم المعاملات المدنية التي لا تعد السرعة والائتمان من متطلباتها الجوهرية وكان الهدف من هذا النظام المغاير دعم السرعة والائتمان وتقويتهما. 

نشأة القانون التجاري 

نشأ القانون التجاري في شكل أعراف وعادات استقرت بين فئة التجار، حيث إن التجارة كظاهرة اجتماعية أسبق في الوجود على ظاهرة القواعد القانونية المقننة، فحاجة الإنسان إلى التجارة منذ القدم، كي يشبع حاجاته هي التي دعت إلى وجود قواعد تحكمها تمثلت في صورة أعراف وعادات، ولم يتم تقنين تلك القواعد إلا في العصور الحديثة مع ظهور حركة التقنينات. 
ففي العصور القديمة عرف البابليون كثيراً من قواعد التجارة، حيث تضمن قانون حمورابي قواعد تنظم الفائدة والإقراض برهن، وبعض أنواع الشركات، وبعض العقود التجارية كعقد النقل وعقد الوكالة بالعمولة، وبرع الفينيقيون في مجال التجارة البحرية، كما يعود الفضل إلى الإغريق في معرفة نظام القرض البحري ذي الفائدة المرتفعة، وعقد شركة التوصية البسيطة. 
أما في العصور الوسطى فقد تطورت العادات والأعراف المتصلة بالتجارة بسبب الحروب الصليبية التي أدت إلى اتصال كبير بين الشرق والغرب، ومن ثم زيادة التجارة البحرية بين شرق وغرب البحر المتوسط كما صاحب هذه الحروب تطور كبير في النظم المصرفية، نظراً للحاجة إلى تحويل الأموال لتمويل الجيوش لمواجهة حروبها، كما تميز هذا العصر بنشأة المدن والمراكز التجارية والبحرية من المدن الأوربية، حيث أصبحت هذه المدن ذات أهمية قصوى في مجال التجارة، وتجدر الإشارة إلى أن أكثر الدول الأوروبية إسهاماً في تطور التجارة هي إيطاليا فقد تطورت فيها الأوراق التجارية بشكل خاص، وانتقلت قواعدها إلى فرنسا ومنها إلى القارة الأوربية وأمريكا وباقي أنحاء العالم، وقد ساعد على تطور القانون التجاري في إيطاليا قبل غيرها، موقع تلك البلاد الجغرافي وكثرة موانيها التي ساعدت على تنشيط التجارة البحرية فيها. 
والقانون التجاري في ذلك الوقت لم يكن ذلك القانون المستقل الخاص بـ الأعمال التجارية وبشكله المعروف حتى صدور القانون التجاري الفرنسي عام 1807 الذي احتوت نصوصه على أحكام متكاملة للتجارة البرية والبحرية، وتأثرت به الكثير من القوانين، فنقله العثمانيون إلى البلدان العربية التي كانت تشكل جزءاً من الدولة العثمانية، ولم يقف عند هذا الحد بل أخذت قواعده تتطور وأصبحت موحدة في جميع أنحاء العالم بفعل المؤتمرات الدولية، والاتفاقيات التي عقدت لأجل توحيد قواعد القانون التجاري. 

مصادر القانون التجاري 

يقصد بـ مصادر القانون التجاري المرجع الذي نعود إليه لمعرفة القواعد والأحكام الواجبة التطبيق على المنازعات التجارية، وقد نصت المادة (2) من قانون التجارة الفلسطيني “بما لا يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية: 1. تسري على المواد التجارية ما اتفق عليه المتعاقدان، ما لم يتعارض هذا الاتفاق مع النظام العام. 2. فإن لم يوجد اتفاق سرت نصوص هذا القانون بما لا يتعارض مع أحكام القوانين الخاصة التي تحكم المسألة التجارية ذاتها. 3. فإن لم يوجد سرت قواعد العرف التجاري والعادات التجارية ويقدم العرف الخاص أو المحلي على العرف العام. 4. فإن لم يوجد سرت أحكام القانون المدني. 5. فان لم يوجد سرت أحكام الاتفاقيات الدولية التي تحكم المسألة التجارية ذاتها. 6. فإن لم يوجد فللقاضي أن يسترشد بأحكام القضاء أو آراء الفقهاء أو مبادئ العدالة.” 
من خلال النص السابق يمكن تقسيم مصادر القانون التجاري إلى مصادر رسمية ومصادر تفسيرية، وذلك على النحو الآتي: 

القسم الأول: المصادر الرسمية للقانون التجاري

المصادر الرسمية هي المصادر التي لا يتمتع حيالها القاضي بسلطة تقديرية، فإن وجدت يجب أن يتقيد بها القاضي لحل المسألة التجارية المنظورة أمامه ، وهي على النحو الآتي: 
أولاً: النص الإتفاقي 
يعد اتفاق المتعاقدين هو المصدر الأول للقانون التجاري، وذلك إعمالاً لقاعدة أن العقد شريعة المتعاقدين، وبناءً عليه إذا وجد اتفاق وجب على القاضي أن يطبقه على النزاع التجاري المعروض أمامه قبل الرجوع لأي مصدر آخر. 
ولكن يشترط لتطبيق ذلك الاتفاق ألا يكون مخالفاً لقاعدة قانونية آمرة تتعلق بالنظام العام والآداب العامة، فمثلاً إذا أثير نزاع بين تاجرين يديران محلاً للعب القمار فإن القاضي لا يلتفت لاتفاقهم، كونه مخالف لقاعدة آمرة تتعلق بالنظام العام والآداب العامة. 
ثانياً: التشريع 
يقصد بالتشريع هنا مجموعة القواعد الخاصة بالتجارة والتجار والمتمثلة بقانون التجارة رقم (2) لسنة 2014 والقوانين المكملة له، بالإضافة للوائح الفرعية التي تصدرها السلطة التنفيذية وتهدف من خلالها تنفيذ القوانين التجارية، وتنظيم حرفة التجارة. 
ويعد قانون التجارة بمفهومه السابق المصدر الثاني للقانون التجاري، ولكن تجدر الإشارة إلى أن ما يعتبر مصدراً ثانياً هو نصوص قانون التجارة المكلمة التي يستطيع الأفراد الاتفاق على تنظيم ما يخالفها، أما النصوص الآمرة فلا يجوز الاتفاق على خلافها. 
ويقصد أيضاً بالتشريع القانون المدني الذي يحكم كافة معاملات الأفراد، ففي حالة عدم وجود نص اتفاقي أو نص تجاري يحكم المسألة التجارية، يلجأ القاضي لنصوص القانون المدني لتكملة النقص، ولحكم المسألة التجارية. 
وفي حال وجود تعارض بين نص تجاري ونص مدني في نفس القوة يقدم النص التجاري لأنه نص خاص والقاعدة تقول: أن الخاص يقيد العام. 
ثالثاً: العرف التجاري والعادة الاتفاقية 
يقصد بالعرف التجاري مجموعة القواعد التي أعتاد التجار على إتباعها في معاملاتهم التجارية على نحو يولد الشعور بالإلزامية، أي إننا لا نكون أمام عرف إلا بتوافر عنصريه، عنصر مادي يتمثل بالاعتياد وعنصر معنوي يتمثل بالشعور بالإلزامية. 
والعرف التجاري قد يكون عاماً أي سائداً في كل مناطق الدولة وقد يكون محلياً أي سائداً في منطقة معينة دون الأخرى، وأخيراً هنالك العرف الخاص الذي يقتصر على معاملة تجارية أو فئة أو طائفة معينة من التجار دون غيرها، وعند تعارض العرف الخاص أو المحلي على العرف العام يقدم العرف الخاص أو المحلي. 
وهناك العديد من القواعد العرفية التي قننها قانون التجارة لدينا ومثال ذلك افتراض التضامن بين المدينين بدين تجاري دون حاجة إلى نص أو اتفاق أو سريان الفوائد بمجرد الاستحقاق ما لم يوجد نص أو اتفاق يقضي بغير ذلك. 
أما العادة الاتفاقية فهي عرف يفتقد لعنصره المعنوي، أي اعتياد التجار على إتباع سلوك تجاري معين، ولكن دون الشعور بالإلزامية، لذا فهي تحتاج إلى اتفاق التجار على تطبيقها وتضمينها داخل عقودهم وبذلك تأخذ حكم النص الاتفاقي وتتدرج مدارجه، ومثال العادة الاتفاقية، الاتفاق على جزاء إنقاص الثمن بدلاً من فسخ العقد التجاري في حال عدم مطابقة محل العقد عما هو متفق عليه. 
وإذا كان المسلم به أنه لا يجوز تطبيق القاعدة العرفية التجارية إذا خالفت قاعدة آمرة في القانون التجاري، فإن الخلاف قد يثار حول مدى جواز مخالفة القاعدة العرفية التجارية لقاعدة آمرة في القانون المدني؟ 
ذهب بعض الفقه إلى عدم جواز ذلك؛ استناداً إلى أن القواعد الآمرة التجارية والمدنية تتعلق بالنظام العام. 
لكن هناك رأي آخر نرجحه يرى بتقدم العرف على النص الآمر المدني، ويستند في ذلك، إلى أن القاعدة العرفية فرضتها طبيعة المعاملات التجارية والبيئة التجارية التي قوامها السرعة والائتمان وبالتالي من المنطق أن تتقدم على النص الآمر المدني الذي فرضته طبيعة المعاملات المدنية والبيئة المدنية التي لا تعد قوامها السرعة والائتمان. 
نخلص إلى أن المصدر الأول لحكم المسألة التجارية هو النص التجاري الآمر فإن لم يوجد يُركن إلى العرف، فإن لم يوجد يُركن إلى النص المدني الآمر، فإن لم يوجد يُستند إلى النص الاتفاقي والعادة الاتفاقية، فإن لم يوجد يُلجأ إلى النص التجاري المكمل، فإن لم يوجد يُركن إلى النص المدني المكمل. 
ولكن يُعاب على نص المادة (2) من قانون التجارة الفلسطيني عدم جعله لمبادئ الشريعة الإسلامية من ضمن المصادر الرسمية للقانون التجاري رغم ما أولته الأخيرة من أهمية للتجارة ورغم ما تضمنته من مبادئ ونصوص لحكم مسائلها، حيث اكتفى مشرعنا بعدم جواز تعارض مصادر القانون التجاري بمبادئ الشريعة الإسلامية. 

القسم الثاني: المصادر التفسيرية 

يقصد بالمصادر التفسيرية هي المصادر التي يتمتع حيالها القاضي بسلطة تقديرية، فإن شاء رجع لها وإن لم يشاء لم يرجع، وهي على النحو الآتي: 
أولاً: القضاء 
نعني هنا بالقضاء مجموعة الأحكام القضائية التي استقرت في مجال المعاملات التجارية، ومدى إمكانية تطبيقها على المنازعات المشابهة لها المنظورة أمام القضاء والتي لم يفصل فيها بعد، فالقاضي إن لم يجد حلاً للنزاع من المصادر الرسمية يكون مخيراً في البحث عن حلاً لها في السوابق القضائية. 
ثانياً: الفقه 
يقصد بالفقه آراء الفقهاء في هذا الفرع من القانون أي القانون التجاري، من حيث تفسيرهم لنصوصه والتعليق عليها وإبراز مزاياها وعيوبها وما بها من تناقض، وذلك يكون في شكل مؤلفات وشروحات وأبحاث ودراسات..الخ. 
فهنا يجوز للقاضي إن لم يجد مصدراً رسمياً يحكم النزاع أن يستنير بهذه الآراء والمؤلفات دون أن يكون ملزماً بذلك. 
ثالثاً: قواعد العدالة والإنصاف 
يقصد بهذا المصدر القواعد المبنية على العقل والنظر السليم وروح العدل، والتي تتحقق من خلال اجتهاد القاضي في حل النزاع المعروض أمامه إذا لم يجد مصدراً رسمياً أو تفسيرياً يستند إليه أو يستنير به، ففي هذه الأحوال يكون للقاضي الفصل في النزاع بحسب اجتهاده وفقاً لما يراه محققاً للعدالة من عدمه. 
والحكم الصادر في هذه الأحوال سيختلف من قاضي لآخر تبعاً لثقافة كل قاضي ونفسيته وتكوينه القانوني. 
ولكن السؤال الذي يثار هنا لماذا جعل المشرع التجاري الفلسطيني هذه القواعد ضمن المصادر التفسيرية في ظل كينونتها مصدراً رسمياً في القانون المدني؟ 
لعل الحكمة من ذلك تكمن في نظر المشرع الفلسطيني لقانون التجارة بأنه قانون المصلحة، وإنه خاص بفئة معينة وبنوع معين من الأعمال يسودهما المصلحة وتحقيق الربح، ولذلك قد لا يستطيع القاضي الإلمام بظروفهما وفقاً لاجتهاده إن لم يكن هناك مصدراً يستند عليه. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى